المقالات

كبرنا ونحن ننتظر أن نكبُر

بدأ العام الدراسي من جديد، وعادت المدارس والجامعات إلى ضجيجها المعتاد، بينما أقف أنا خارج ذلك المشهد، أراقبه وكأنني أرى جزءًا من عمري يمشي أمامي. وجوه جديدة، حقائب على الأكتاف، وأحلام لم تعرف بعد كم هي سريعة السنوات.
تخرّجت من الجامعة منذ وقتٍ يبدو قريبًا جدًا، ومع ذلك أشعر أحيانًا أن بيني وبين تلك الأيام عمرًا كاملًا. كنا نعدّ الأيام حتى ننتهي؛ من محاضرة إلى امتحان، ومن واجب إلى آخر، ثم وصلنا إلى مشروع التخرج، ذلك الذي كنا نظنه آخر اختبار حقيقي لنا. أنهيناه، حملنا شهاداتنا، والتقطنا صور التخرج بفرحة من وصل أخيرًا إلى الحياة التي كان ينتظرها.
ثم انتهت الفرحة، وبدأ السؤال: ماذا بعد؟

بدأت رحلة البحث عن عمل، سيرة ذاتية تُرسل، ومقابلة تُنتظر، واتصال نتمنى أن يأتي. كنا نكتشف في كل مرة أن الشهادة التي تعبنا لأجلها لا تفتح كل الأبواب، وأن علينا أن نثبت أنفسنا قبل أن نحصل حتى على فرصة. تمر الأيام بين انتظار ورفض ومحاولة جديدة، إلى أن تأتي الفرصة التي نظنها نجاة.

ثم نبدأ العمل.
في البداية نذهب بحماس، نريد أن نتعلم ونثبت أننا نستحق المكان الذي وصلنا إليه. نراقب أخطاءنا، نحسب خطواتنا، ونحاول أن نترك انطباعًا جيدًا. وبعد فترة نفهم أن الحصول على الوظيفة كان أسهل من الحفاظ عليها، وأن إثبات نفسك لا يحدث مرة واحدة، عليك أن تثبتها كل يوم.

وهنا تبدأ الحياة بأخذ شكلٍ آخر.
يصبح للوقت ثمن، وللراتب معنى، وللتأخر عواقب، وللقرارات أثر يمتد أبعد منا. تبدأ المسؤوليات بالتراكم بهدوء؛ عمل، التزامات، مستقبل، ومصاريف وأحلام نحاول أن نُبقي لها مكانًا وسط كل هذا. وما كنا نسميه في الجامعة ضغطًا يصبح اليوم مجرد جزء عادي من يومنا.

حتى أحلامنا تتغير دون أن نشعر. كنا نحلم بالكثير، ثم أصبحنا نحلم بعمل مستقر، وبيت هادئ، ودخل يكفينا، ووقت نستطيع أن ننام فيه دون أن نفكر في الغد. كأن الحياة أخذت أحلامنا الكبيرة ووضعتها أمامنا واحدةً واحدة، وسألتنا عن ثمن كل حلم.
والمخيف أن كل هذا يحدث بسرعة.
بالأمس كنت أستعد لامتحان، وبعده لمشروع التخرج، ثم رحلة أبحث عن أول وظيفة، ثم أحاول أن أثبت نفسي فيها، ثم وجدتني أفكر في الاستقرار، وأتساءل متى أصبحت السنوات تمر بهذه الخفة؟
كنا نظن أن الخروج من المدرسة والجامعة هو خروج من القيود، ثم اكتشفنا أن الحياة لا تخلو من القيود؛ فقط تصبح أكبر، وأكثر جدية، وأقل قابلية للتأجيل.
اليوم، وأنا أرى الطلاب يعودون إلى مقاعدهم مع بداية عام دراسي جديد، أشعر بشيء يشبه الغيرة من بساطة أيامهم. لديهم امتحان يخافونه، وواجب يتذمرون منه، ومشروع تخرج يظنونه نهاية العالم. ولا يعرفون بعد أن تلك المسؤوليا رغم ثقلها، كانت تحمل نهايات واضحة.
أما نحن الآن، فقد دخلنا المرحلة التي لا نعرف فيها موعد الامتحان، ولا شكل السؤال، ولا متى ينتهي الفصل.

دخلنا الحياة.
وكم هو غريب أن نقضي سنواتنا مستعجلين الوصول، ثم نقضي بقية أعمارنا نتمنى لو عاد بنا الطريق قليلًا.
لهذا بدأت أفهم أن العمر لا يمرّ حين ننتبه إليه، العمر يمرّ ونحن منشغلون بمحاولة اللحاق به.

وربما لا نفهم إلا بعد كل هذه السنوات
أن كل مرحلة مررنا بها كانت حياةً كاملة، وكان فيها ما يستحق أن نفرح به ونعيشه.
كنا دائمًا ننظر إلى ما بعدَها؛ نستعجل المدرسة لنصل إلى الجامعة، والجامعة لنصل إلى العمل، والعمل لنصل إلى الاستقرار، حتى مضى العمر ونحن نؤجل سعادتنا إلى محطةٍ لم نعرف متى ستأتي.
ثم نكتشف بهدوء أن الحياة لم تكن في انتظارنا هناك، عند تلك النهاية التي تخيلناها، وإنما كانت هنا؛ في كل يومٍ عشناه، وفي كل بدايةٍ أخافتنا، وفي كل خطوةٍ قطعناها ونحن نظن أننا ما زلنا في الطريق.
لذلك، لا نحتاج إلى أن نستعجل الوصول كثيرًا. يكفي أن نعيش المرحلة التي بين أيدينا كما ينبغي، وأن نترك للغد وقته. فحين نصل يومًا إلى ما تمنيناه، قد ننظر خلفنا وندرك أن أجمل ما كان في الطريق لم يكن الوصول نفسه، وإنما الأيام التي عشناها ونحن نمضي نحوه.

مرتينا موسى برادعية ✍🏻

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى