
حاورته: الكاتبة و الإعلامية سلمى القندوسي
بين صفحات الكتب، ومن بين رفوف المكتبات، صنع عبود لنفسه طريقًا بدأ بخطوات صغيرة وتحديات مبكرة، قبل أن يتحول إلى قارئ شغوف وصانع محتوى يسعى إلى نشر أثر القراءة بلغة قريبة من الناس. يهتم بالإعلام و التعليق الصوتي، ويجد في الطبيعة و الهدوء والأزهار البيضاء تفاصيل تمنحه اتزانًا ينعكس على حضوره و محتواه، كما يؤمن بأن الثقافة تتسع للابتسامة بقدر ما تتسع للفكر، لذلك يفسح للفن الساخر مساحة في عالمه دون أن يفقد شغفه بالكتب.
في هذا الحوار الخاص مع مجلة ريشة الأدب الثقافية، يفتح عبود صفحات من رحلته الإنسانية، و يتحدث بصدق عن البدايات، وعن القراءة التي غيّرت مسار حياته، و رؤيته للقارئ الحقيقي، و الكتابة، والذكاء الاصطناعي، و الدور الذي يمكن أن تؤديه الكلمة في صناعة إنسان أكثر وعيًا و حرية. حوار يحمل الكثير من التأمل، و يقودنا إلى إجابات تنبع من تجربة عاشت تفاصيلها قبل أن ترويها.
▪︎أهلاً بك أخي عبود.. رحلتك بدأت من جملة قاسية قيلت لك في الصف الثالث: (لن تتقن العربية أبداً).. اليوم، وبعد أن أصبحت تعيش بين الكلمات؛ لو أتيحت لك الفرصة لتوجيه رسالة صامتة لتلك المعلمة، أي كتاب ستضع على طاولتها وماذا ستكتب في الإهداء؟
《سأضع على طاولتها رواية “النورس جوناثان ليفينغستون” للروائي الأمريكي ريتشارد باخ.. ليس محاكمة لخطئها، بل لأن هذه الرواية تُذكرنا جميعا بأن قيمة الإنسان لا تُحسب بما يراه الآخرون فيه، بل بما يؤمن هو أنه قادر على أن يحلق إليه.
أما الإهداء، فسأكتبه كتالي:
”إلى معلمتي.. ليس هذا الكتاب تصحيحا لجرح قديم، بل تذكير بسيط بأن كلمة واحدة قد تُكسر جناحي طفل، وكلمة أخرى قد تهبه السماء ليتعلم الطيران.”》
▪︎كانت المجلات الملونة ملجأك الأول، تحولت فيها من النظر إلى الصور إلى قراءة المعاني تحتها.. كيف يصنع “الشغف الصامت” معجزة طفل يواجه التلعثم بمفرده ودون صخب؟
《 أرى بأن الشغف الحقيقي نبتة تنمو في العتمة والصمت، لا تحتاج للضوء الصاخب كي تكبر؛ فشخصيا لم يكن هناك جمهور يصفق لي، حيث كنت أتلعثم وأصمت، لكنني كنت أشعر بعمق أن كل كلمة أقرأها تحت تلك الصور الملونة تُضيف حجر صغير يتراكم لبناء شخصيتي.
وما حدث معي لم يكن سحرا أو معجزة بالمعنى التقليدي، بل كان تراكما طبيعيا؛ وهكذا تُبنى الإنجازات.. فزمن المعجزات الخارقة قد انتهى، ومعجزة هذا الزمن الحقيقية هي؛ التوكل الصادق والاستمرارية.》
▪︎تجمع في شخصيتك بين التعليق الصوتي، حب الطبيعة، والأزهار البيضاء.. وفي المقابل تكسر هذا الهدوء بنشر الفن الساخر والمقاطع الطريفة! كيف يتعايش هذا “الهدوء الأبيض” مع “الكوميديا المتمردة” في مساحتك الخاصة؟
《أهم شيء أن هذا التناقض ليس صراعا، بل هو سر التوازن الإنساني؛ فالهدوء في شخصيتي ليس مجرد خيار، بل هو طوق نجاة؛ في هذا العالم المعاصر الشديد السرعة والمادية، أحتاج للهدوء كي أستعيد نفسي. فيوم العمل المجهد يتطلب استراحة صامتة، والأحاديث العميقة تحتاج جلسة قراءة هادئة.
أما الكوميديا المتمردة وفق وصفك، فهي النافذة التي يتنفس منها الجانب الشقي في ذاتي.. الكوميديا فن ورسالة نبيلة، فليست كل الأفكار العميقة تتسع لها النصوص الجادة، أحيانا تكون السخرية أبلغ بمليون مرة من أي نص أو رواية.
وشخصيا مؤمن بأن الكوميديا؛ في جوهرها العميق، هي تعبير أنيق عن حزن دفين نروضه بالضحك، نبتسم لنقول للعالم: نحن هنا، ولا نزال على قيد الحياة، ورغم كل ثقل هذه الأرض، نستطيع أن نفرح وأن نمنح الآخرين ضحكة تضيء عتمتهم.》
▪︎ترسل دائماً رسالة مفادها رفض الصورة النمطية الباهتة للقارئ بوصفه شخصاً كئيباً ومنعزلاً. كيف يمكن للفن الساخر والمفارقات اليومية أن تجعلنا “أكثر إنسانية” وقرباً من جوهر القراءة؟
《بالفعل، أكره بشكل قاطع نظام “القولبة” حيث يُوضع الإنسان في قوالب جاهزة يضطر للتكيف معها حتى وإن كانت لا تناسبه؛ فنحن مختلفون في النهاية.
ومع الأسف حتى في عالم القراءة هناك نمطية وقولبة ألمسها أحيانا بشكل مخيف. ولهذا قررت منذ مدة ألا أعترف بهذه القوالب وأن أساهم من مكاني في كسرها، سواء عبر المراجعات التي أشاركها، أو من خلال المقاطع الكوميدية الساخرة التي وجدت فيها ضالتي.
وهي رسالة صريحة أيضا بأن عالم القراءة ليس عالم نخبة كما يدعي البعض، ولا يدخله المرء وفق معايير معينة، والقراء ليسوا حزناء أو كئيبين ولا يعجبهم شيء! القراءة فعل إنساني يمارسه أي شخص؛ ففي الغرب مثلا، تجد الجميع يقرأ، حتى الأشخاص المنحرفين تجد عندهم مكتبة ويقرؤون؛ ولابد من التأكيد بأن الضحك فعل إنساني أيضا ولا يقلل من قيمة الثقافة بالمرة.》
▪︎تحدثت عن مرحلة الانبهار الأول حيث كان كل كتاب بالنسبة لك هو “الأجمل في العالم”، ثم ارتفع السقف مع اتساع القراءات.. كيف يتشكل هذا التمييز الدقيق بين “النص السطحي” و”النص الذي يترك أثراً لا يُمحى”؟
《هذا التمييز لا يولد فجأة، بل يتشكل عبر القراءة المستمرة والمتأنية؛ وأي قارئ يبدأ رحلته وهو سريع الانبهار، يرى كل ما يقع تحت يده ورديا، لكن مع الوقت، وتراكم الصفحات، تولد لديه ملكة التفكير النقدي وتتفتح عين نقدية لا ترضى بالسائد والعادي.
وهذا التطور لا أقوله تنظيرا، بل ألمسه بشكل واضح في تجاربي الخاصة؛ حين أعود اليوم لمراجعاتي المكتوبة قبل عام 2024 وأقارنها بما أقدمه بعدها، ألمس فارقا شاسعا؛ ربما يراها البعض مراجعات عادية أو حتى مبتذلة، لكنني أراها تجليا صادقا لنضجي القرائي. ففي السابق، كنت أقرأ الكتاب بعين يمكن وصفها بالحالمة تستمتع بالسطح الخارجي للنص، أما اليوم، فقد أصبحت قراءتي أكثر عمقا؛ صرتُ أستوقف النص عند أدق تفاصيله، وأفتش عن روح الكاتب بين السطور وإسقاط أفكاره على واقعي.
وشخصيا، تنقلتُ بين كتب كانت تُطبطب على قناعاتي وتصفق لها، وكتب أخرى رمتني بسهام الحيرة، وصولا إلى كتب استفزت قناعاتي وأجبرتني على إعادة بناء أفكاري.
وأرى أن الكتاب العظيم اليوم ليس ذلك الذي يمسح على كتفك ويهدئ من روعك، بل هو الذي يزلزل القناعات الخاطئة، يقلب أفكارك الخاطئة المتذبذة رأسا على عقب.》
▪︎ترفض القوالب الجاهزة وتصر على تقديم ما تحبه بصدق دون مجاملة.. ما هي الحدود التي يضعها القارئ الحقيقي لنفسه كي لا تتحول منصته إلى مجرد استرضاء لما يطلبه الجمهور؟
《 شخصيا أُعرف نفسي دائما بكوني قارئا، ولست موظفا عند خوارزميات مواقع التواصل؛ فعلا، أحيانا أضطر للتعامل معها أو التحايل عليها ليكون النشر مرضيا لها بعض الشيء، لكن الصدق ورضا المتلقي هما الأهم بالنسبة لي دائما.
ورأس مال أي قارئ يشارك مع الآخرين ما يقرأ هو صدقه؛ فالجمهور ذكي بطبعه، ويستطيع بسهولة أن يميز بين القارئ الصادق، والقارئ المحابي الذي ينافق لإرضاء الآخرين. وأنا شخص أؤمن بحرية الرأي، ولكن ضمن حدود أرسمها لنفسي وللمتلقي على حد سواء.
حيث تتجلى حدودي مع نفسي في ألا أشارك أي شيء غير صادق أو يخالف قناعاتي، فلا قيمة إطلاقا لما أقدمه إن لم يكن ينبع من قلبي.
أما حدودي مع المتلقي، فتقوم على ضرورة احترامه لقناعاتي، وأن يكون نقده لي موجها بشكل معقول ومحترم. وأرى أن هذا التوازن تحديدا هو ما يبني الثقافة الحقيقية؛ لأن النفاق يفسد المجال الثقافي ويغذي الابتذال والفراغ. وبسبب هذا النفاق؛ للأسف، ينتهي الأمر بدفن أعمال ملهمة تستحق حقا أن تُقرأ وتصل رسالتها، فقط لأن صاحبها رفض أن ينافق.》
▪︎نعيش اليوم طفرة في الذكاء الاصطناعي القادر على توليد آلاف النصوص في ثوانٍ.. بصفتك “قارئاً حقيقياً”، ما الذي تفتقده النصوص الآلية وتجده فقط في عرق الكاتب الحقيقي ودهشته؟
《الذكاء الاصطناعي اليوم أصبح كالمحتل الذي يدخل أرضك بالقوة ويفرض سياسة الأمر الواقع؛ قد يكون تشبيها سلبيا ومبالغا فيه، لكنني أراه معبر بعض الشيء. فالذكاء الاصطناعي أصبح وسيلة لا مفر من استعمالها، لكن يجب أن يبقى دوره مساعدا مهما تطور.
وللأمانة هو يمتلك قدرة لا تُصدق على توليد آلاف النصوص بسيناريوهات مختلفة، لكن يبقى العقل البشري هو الأكثر إبداعا لأنه يستمد كلماته من تجربته الإنسانية التي تكون معقدة ومتراكمة وغير مفهومة أحيانا.
فما يكتبه الذكاء الاصطناعي يكون جافا لا حياة فيه، ومجرد وضع مكياج خفيف على شيء سابق، أي مجرد إعادة تدوير لروح سابقة؛ في حين أن الكاتب الحقيقي عندما يكتب فهو يقتطع جزءا منه، جزءا قام بتنميته على مر السنين عبر تجارب مختلفة.》
▪︎يُقال إن “الكاتب الحقيقي لا ينتصر إلا بوجود القارئ الحقيقي”.. كيف يساهم القارئ الذي يمتلك ذائقة كذائقتك في حماية الأدب والفن الإنساني من التسطيح والآلية في هذا العصر؟
《علاقة الكاتب بالقارئ مثل دورة الحياة؛ تبدأ عند الأول لتنتهي عند الثاني وتبدأ من جديد. الكاتب بحاجة إلى القارئ، والقارئ بحاجة إلى الكاتب.. فلولا الكاتب ماذا سيقرأ القارئ؟ ولولا القارئ لمن سيكتب الكاتب؟ غياب أحدهما يُفقد الآخر معنى وجوده وغايات فعله.
والأدب عموما يُبنى بقارئ جيد وكاتب جيد؛ وأعتقد أن القارئ الحقيقي لا يحمي الأدب بالتصفيق، بل بالتنقيب عن الأدب الجيد. ففي زمن أصبحت فيه الشهرة تُصنع أحيانا أسرع من القيمة، يصبح دور القارئ أن يمنح وقته لما يستحق، لا لما يفرضه الترند. فالكتاب الذي لا يجد قارئا واعيا قد يضيع مهما بلغت جودته، بينما قد يعلو عمل متواضع وسخيف فقط لأنه حظي بتسويق أفضل.
لذلك، فإن مسؤولية القارئ لا تقل عن مسؤولية الكاتب؛ لأنه بصوته، ومراجعته، ونقده، واختياراته، يرسم ملامح المشهد الثقافي، وكلما ارتفعت ذائقة القراء، ارتفع معها مستوى ما يُكتب ويُنشر.
أما في مواجهة الآلية، فأؤمن أن القارئ الحقيقي سيظل وفيا ويبحث دائما عن النص الذي يشعر أن وراءه إنسانا عاش التجربة قبل أن يكتبها؛ لأن الأدب في النهاية ليس مجرد كلمات داخل غلاف، بل أثر إنساني يظل حيا بعد أن تُطوى الصفحة الأخيرة.》
▪︎لو طُلِب منك أن تسجل مقطعاً بصوتك (تعليق صوتي) يُختصر فيه جوهر القراءة لكل طفل يُقال له اليوم “لن تتقن شيئاً”.. ما هي النبرة والجملة التي ستختارها؟
《سأختار نبرة هادئة وأكون صادقا معه، وأقول:
”علمتني الكتب.. أن القصة لا تُفهم من صفحتها الأولى، وأن البدايات مجرد خطوة في طريق طويل؛ وحين يخبرك أحدهم أنك (لن تتقن شيئا) فهو لا يرى سوى مقطع صغير من بدايتك.. والإنسان يُقاس برحلته كلها، والصفحة الأولى يا صغيري لا يمكن أبدا أن تُكتب فيها خاتمة القصة”》
▪︎في ختام حوارنا، ما هي الشجرة التي يطمح “عبود” أن يغرسها في قلوب متابعيه، وما هي الزهرة البيضاء التي يريد أن يتركها على رفوف المكتبات؟
《أطمح أن أغرس في قلوب من يتابعونني شجرة الحرية؛ حرية أن يقرأ المرء ما يحب، وأن يختلف بشجاعة، وأن يغير قناعته دون خوف، وألا يشعر أبدا أنه مكره على حب كتاب لمجرد أن الجميع احتفى به! القراءة الحقيقية لا تصنع نسخا مكررة من البشر، بل تخلق أفرادا أحرارا ومستقلين في تفكيرهم.
أما الزهرة البيضاء التي أتمنى أن أتركها بين رفوف المكتبات، فهي الطمأنينة.. أن يدخل كل شخص إلى عالم الكتب وهو يعلم أنه ليس مطالبا بأن يكون “مثقفا نخبويا” كي يقرأ، بل يقرأ ببساطة.. ليصبح أكثر إنسانية.》
▪︎في ختام هذا الحوار، نكتشف أن رحلة عبود مع القراءة بدأت من تحدٍّ تحوّل مع الوقت إلى شغف راسخ و رؤية إنسانية للحياة. و من خلال إجاباته، يقدّم صورة مختلفة للقارئ؛ صورة تجمع بين الفكر والبساطة، و الهدوء و الابتسامة، و الإيمان بأن الكلمة الصادقة قادرة على أن تترك أثرًا يتجاوز حدود الصفحة.
مجلة ريشة الأدب الثقافية تتوجه بالشكر إلى عبود على رحابة صدره ووصدق حديثه، و تتمنى له مزيدًا من التألق و النجاح في مسيرته، وأن يواصل غرس حب القراءة، و إلهام الآخرين ليكتشفوا أن كل كتاب قد يكون بداية جديدة، و أن كل قارئ يحمل في داخله حكاية تستحق أن تُروى.