
ليس هناك أحد يحب أن يترك بيته ووطنه لكن الواقع الذي تعيشه يجبرك ويفرض عليك أن تغادر بحثا عن تأمين مستقبل مشرق تحلم به فتبدأ هنا الغربة فعليا بعد اول يوم لك خارج وطنك عندما تستيقظ ولا احد يعرفك ولا تعرف احد انت في مكان جديد ومختلف تماما عن البيئة التي كنت تعيش فيها
عندما تلتقي أهلك وأصدقائك عبر شاشة الهاتف فقط حين تسمع جرس الهاتف يرن فتذيد ضربات قلبك وتجري مسرعا لمعاودة الاتصال وأنت تخشى أن أحدا اصابه مكروه حينها تأكد تماما انك بدأت في رحلة المعاناة الحقيقة وان الغياب سيطول نعم انت الذي وضعت خطتك الزمنية المحددة وقلت عام أو عامين وتجني المال وترجع غانما باحلامك الوردية ثم تكتشف أنها أصبحت خمس أعوام ولا تدري لعلها تزيد أكثر فتجري الايام والسنين تمضي وانت لا تشعر فقط تعيش على شريط الذكريات لمة الأهل لقاء الاصدقاء اصوات الاطفال يلعبون في الشوارع والأزقة وحبيبة القلب هناك تترقب وتنتظر عودة فتى أحلامها المستغرب بدول الخليج فتغمض عينيك وتسرح بعيدا تارة تبكي وتارة تضحك لا تعلم هل تواصل أم تعود
قد تعطيك الغربة المال وتقوي من ذاتك وتجعل منك رجل يعتمد على نفسه ويتحدى أسوأ الظروف لكنها وللاسف تفرض عليك ضرائب وتخصم منك أضعاف ما تعطيك له
واجبات العزاء التي لم تؤديها وافراح اقرب الأقربين تشاهدها في مكالمات الفيديو أطفال كبروا ومعالم تغيرت هناك من مات وهناك من تزوج لدرجة أنها يمكن أن تخصم منك جسديا سوى مرض جسدي أو نفسي عافانا الله وإياكم
هنا يكمن السؤال إذا رجعت هل تجد الوطن نفسه الوطن القديم الشوارع الشوارع كما هي هل الناس تغيرت أنت أيضا تغيرت وتكتشف حينها انك يمكن أن تكون غريب في وطنك
لا يفوتني ذكر ابيات من قصيدة شاعرنا السوداني إسحاق الحلنقي /
رَجَعْتَ بَعْدَ سِنِينَ بَلَدَكَ تُغَنِّي وَفَرْحَتَكَ شَايْلَاكْ
رَجَعْتَ لَقِيتَ عُيُونَ أَهْلَكَ تُعَايِنَ لِيكَ وَمَا عَارْفَاكْ
فُتَّ بِلَادَكَ وَأَنْتَ شَبَابٌ جِيتَ اللَّيْلَةَ وَيْنُو صِبَاكْ؟
وَكُلُّ النَّاسِ بَقَتْ تَسْأَلُ تَقُولُ يَا رَبِّي وَيْنُ شَايْفَاكْ؟
تُشَبِّهَ فِيكَ بِالسَّاعَاتِ تُحَاوِلُ تَطْرَى مَا تَطْرَاكْ
دَفَعْتَ شَبَابَكَ أَنْتَ تَمَنُّو وَبَعْدَ الغُرْبَةِ نِلْتَ جَزَاكْ
حَنِينَ السَّاقِيَةِ مَا خَلَّاكْ وَالحَيُّ الزَّمَانُ رَبَّاكْ
أَمَاكِنَ عِشْتَ فِيهَا صِبَاكْ وَعَاشَتْ ذِكْرَى حِلْوَةً مَعَاكْ
النِّيلُ بِالمَحَنَّةِ سَقَاكْ وَمْوِيتُو الحِلْوَةِ فِيهَا شِفَاكْ
وَطُولُ عُمْرِكَ وَلُوفٌ قَلْبُكَ وَأَنْتَ الإِلْفَةِ هِيَ الكَاتْلَاكْ
السَّمْحَةُ المَعَاهَا رَبِيتَ عَاشَتْ صَابِرَةً تَسْتَنَّاكْ
صَعُبَتْ عَلَيْهَا يَوْمَ تُعَايِنَ لِيكَ وَمَا عَارْفَاكْ
رَجَعْتَ وَحَوْلَكَ الأَحْلَامُ لِدُنْيَا جَمِيلَةً سَايْقَةُ خُطَاكْ
قَايِلُ النَّاسِ تُرَحِّبُ بِيكَ وَبِالأَحْضَانِ تَتَلَقَّاكْ
لَقِيتَ الدُّنْيَا مَا دُنْيَاكْ وَرَحَلَتْ نَاسٌ عَزِيزَةً وَرَاكْ
لَا ضُقْتَ الهَنَاءَ فِي بَلَدِكَ وَلَا فِي الغُرْبَةِ تَمَّ مُنَاكْ
تمسك بوطنك رغم كل شيء وإذا انت مجبر على السفر سافر لكن لا تغيب طويلا ولا تقطع حبلك مع أهلك وأحبابك الهاتف وحده لا يكفي فلا تدع الغربة تسرقك عمرك
في الاخر كلنا نبحث عن الأفضل عن الكرامة وعن راحة البال لكن الكرامة بدون أرض ناقصة والراحة بدون أهل وأصدقاء باردة لذلك صراع العودة والحنين وآخر دعوانا أن اللهم ردنا إلى أوطاننا سالمين غانمين.
بقلم / محمد مصطفى