
تستمر الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في طحن ما تبقى من تفاصيل الحياة لثلاث سنوات ومزالت، عابرةً فصول الزمن لتكمل أعواماً ثقالاً من القتل والدمار والتهجير الممنهج. لم تعد هذه الحرب مجرد جولة تصعيد عسكرية عابرة، بل غدت “حرب إبادة” ممتدة في الزمن، تختبر فيها الإنسانية جمعاء مدى قدرتها على الصمت وغض الطرف أمام مأساة شعب بشعة تُرتكب على مدار الساعة أمام اعين العالم ولا من مجيب.
سنوات الجمر: حين تصبح الابادة بلا توقف
منذ شرارة السابع من أكتوبر 2023، ودخول القطاع في اشد مواجهة غير مسبوقة، تحولت الأيام والشهور إلى سنوات طويلة من النزيف، غزة اليوم تقف أمام واقع مرير طال أمده وغدت البلاد تشبه مدينة الاشباح من الدمار الذي اجتاح كل القطاع، أمام اعتياد العالم للأسف على أرقام الضحايا اليومية، وكأن الموت والنزوح صارا خبز الغزيين اليومي. السنوات التي مرت لم تكن مجرد أرقام في التقارير الإخبارية، بل كانت دهوراً من القهر عاشها ملايين البشر المحاصرين بين نيران القصف وجحيم الجوع.
استراتيجية المحو المنهجي
ما يميز هذه الحرب الطويلة ليس فقط شراسة القصف، بل شمولية الهدف؛ فقد سعت آلة الحرب الإسرائيلية إلى تدمير مقومات الحياة برمتها. المستشفيات التي تحولت إلى ثكنات مدمرة وركام، والمدارس التي غدت مراكز إيواء تفتقر لأدنى مقومات الآدمية حتى وان بقيت فقد غدت هي كذلك هدفا من محتل الغاصب، وشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي التي سويت بالأرض، كلها تدل على سياسة “الأرض المحروقة” الهادفة لتهجير السكان وجعل القطاع بيئة طاردة ومستحيلة العيش.
ولم يتوقف الأمر عند حدود الرصاص والصواريخ، بل امتد لاستخدام “التجويع” سلاحاً فتاكاً، فلشهور وسنوات من الحصار المطبق الذي حرم الأطفال من الحليب والمرضى من الدواء، في مشهد إنساني يعجز القلم عن وصفه لم يعتد أهل قطاع غزة على هذه السياسة الممنهجة ولكن تمسكو بالحياة وقاومو المحتل.
الصمود الأسطوري في وجه العدم
في زحمة هذا السواد القاتم، تبرز غزة بصورة أخرى تماماً؛ صورة الصمود الأسطوري والتمسك جذري والوجداني بالأرض، أرض الكرامة والعزة. المواطن الغزاوي، الذي تنقل بين خيام النزوح مرات ومرات، لا يزال يزرع الأمل من بين الركام. الأمهات اللواتي يصنعن الخبز على الحطب، والفرق الطبية التي تعمل بالمستشفيات الميدانية البدائية، والأساتذة الذين ينشؤون خيام التعليم لأطفال فقدوا كل شيء، يكتبون بدمائهم وأرواحهم ملحمة تاريخية من البقاء.
نعم غزة وشعبها قاموا بتلقين درس في الانسانية وقمة الصمود امام العدو لعالم اصم واعمى يشاهد بلا ردة فعل، يتفاعل أحياناً يندد أحياناً اخرى لكن دون مواقف فعليا يشهد لها التاريخ وتساعد شعبا استنزف ابيدا باكمله.
إن طول أمد الحرب على غزة يضع ضمير العالم أجمع في قفص الاتهام. سنوات من الإبادة والدمار، وغزة لا تزال تقاوم وحدها، دافعةً ثمن حريتها وتمسكها بأرضها. إنها حرب كشفت زيف الشعارات الإنسانية الدولية، وأثبتت في المقابل أن إرادة الحياة لدى الفلسطينيين أصلب بكثير من كل أسلحة الدمار.
باختصار غزة درس في المقاومة خلدت للتاريخ لاسف كتبت بدماء شعبها لكن بعزة وبكرامة وماضاع حق وراءه طالب.
جليلة بوتوتة
