حوارات

سجى ناصر الدين:لماذا لا تكون فلسطين هي قصة ما قبل النوم؟

حاورتها: الكاتبة والإعلامية سلمى القندوسي

تحمل بعض الكتب حكايات تُقرأ، و تحمل أخرى رسائل تنبع من تجربة إنسانية صادقة. و من هذا المنطلق يأتي كتاب “حكاية كوفية” للكاتبة الأردنية الفلسطينية سجى ناصر الدين، التي اختارت أن تخاطب الأطفال بلغة قريبة من عالمهم، و أن تقدم لهم مفاهيم الوطن و الهوية و الانتماء من خلال قصة دافئة تنطلق من تفاصيل الحياة اليومية.

في هذا الحوار على مجلة ريشة الأدب الثقافية، تحدثنا مع الكاتبة عن علاقتها بالكتابة، و عن الظروف التي ألهمتها هذا العمل، و رؤيتها لدور الأدب في حفظ الذاكرة و تعريف الأجيال الجديدة بثقافتها و هويتها، خاصة للأطفال الذين ينشؤون بعيداً عن أوطانهم.

▪︎قبل أن نتحدث عن “حكاية كوفية”، نود أن نتعرف أكثر على سجى ناصر الدين الإنسانة… من هي الطفلة التي كانت تسكنك قبل أن تصبحي كاتبة؟ و ما أول حكاية شعرتِ أنها غيّرت شيئاً داخلك؟

《الطفلة التي كانت تسكنني كانت طفلة شديدة التعلق بفلسطين، رغم أنها لم تعش فيها. كنت أجد فلسطين في الكتب، و في الحكايات، و في مكتبة والدي رحمه الله التي كانت عالمي الأول. بين كتب جبران و نزار و كتابات والدي، تعلمت أن للكلمات حياة، و أن الحكايات تستطيع أن تحفظ ما قد يسرقه الزمن.
أما أول حكاية غيّرت شيئاً عميقاً داخلي فلم تكن حكاية قرأتها في كتاب، بل كانت تجربة فقدان والدي. رحيله المبكر شكّل نقطة تحول في حياتي، و جعلني أواجه العالم بعين مختلفة. تعلمت باكراً معنى المسؤولية، و أدركت أن القوة ليست خياراً إضافياً في الحياة، بل أحياناً تكون الوسيلة الوحيدة للاستمرار. تلك التجربة صنعت جزءاً كبيراً من شخصيتي، و ربما كانت الشرارة الأولى التي دفعتني لاحقاً للكتابة، لأنني وجدت في الكلمات وسيلة لفهم الحياة و حفظ الذكريات و مواجهة الغياب.》

▪︎يبدو واضحاً أن علاقتك بهذا الإصدار ليست علاقة كاتبة بكتاب فقط، بل علاقة أم بذاكرة تريد حمايتها… متى أدركتِ أن “حكاية كوفية” ليست مجرد فكرة، و إنما رسالة تشبهك و تشبه طفلك أيضاً؟

《أدركت ذلك مع بداية الأحداث المؤلمة في غزة. شعرت بخوف حقيقي من أن يكبر ابني كنان بعيداً عن وطنه الأول فلسطين، خصوصاً أنه يعيش في دولة أجنبية. كان هاجسي أن يكبر دون أن يعرف معنى الوطن أو يشعر بالانتماء إليه. بدأت أردد اسم فلسطين أمامه باستمرار و أشرح له بلغة بسيطة أنها وطنه، لكنني كنت أبحث عن طريقة تصل إلى قلبه لا إلى ذاكرته فقط. عندها أدركت أن “حكاية كوفية” ليست مجرد قصة، بل رسالة أحاول من خلالها أن أحمي ذاكرة طفلي و أن أبقي فلسطين حاضرة في وجدانه.》

▪︎قلتِ إن “حكاية كوفية” مستوحاة من ابنك كنان… هل بدأت الحكاية من سؤال بسيط طرحه طفل، أم من خوف عميق في قلب أم أرادت ألا يكبر ابنها بعيداً عن معنى الوطن؟

《بدأت من خوف أم أكثر مما بدأت من سؤال طفل. كنان كان يطلب مني قصة قبل النوم كل ليلة، و كنت أحكي له قصصاً مستوحاة من يومه أو من الأشياء التي يحبها. و مع الوقت لاحظت أنه يحفظ القصص كلها و يطلب سماعها مراراً، و يعيش تفاصيلها وكأنها جزء منه. حينها سألت نفسي: لماذا لا تكون فلسطين هي قصة ما قبل النوم؟ لماذا لا يتعرف إلى وطنه من خلال حكاية دافئة وقريبة إلى قلبه بدلاً من الشعارات والمفاهيم الكبيرة التي قد لا يفهمها في هذا العمر؟》

▪︎في هذا العمل، لا تبدو فلسطين قضية سياسية بقدر ما تبدو ذاكرة دافئة تُحكى للأطفال قبل النوم… هل تؤمنين أن الحكايات قادرة على حماية الهوية أكثر مما تفعله الخطب و الشعارات؟

《نعم، أؤمن بذلك جداً. الطفل لا يتفاعل مع الشعارات بقدر ما يتفاعل مع الحكاية. القصة تدخل إلى قلبه وتبقى في ذاكرته لسنوات طويلة. عندما نقدم له الوطن من خلال شخصيات و أحداث وصور قريبة منه، يصبح جزءاً من وجدانه. لذلك أرى أن الحكايات من أقوى الوسائل لحماية الهوية وترسيخ الانتماء، لأنها تُشعر الطفل بالوطن بدلاً من أن تشرح له الوطن فقط.》

▪︎اخترتِ الكتابة للأطفال و اليافعين… ما الشيء الذي أردتِ أن يتعلمه الطفل من “حكاية كوفية” دون أن يشعر أنه درس يتلقاه؟

《أردت أن يتعرف الطفل بطريقة بسيطة و قريبة إلى قلبه على مفاهيم مثل الوطن و الهوية و الانتماء. أردته أن يفهم معنى المقاوم والمحتل، و أن يتعرف إلى قصص أجدادنا و ثقافتنا و عاداتنا ومدننا، وأن يكتشف الألعاب البسيطة التي عاشها أطفال فلسطين قبل أن تندثر في زمن الإنترنت والذكاء الاصطناعي. لم أرد أن أقدم درساً مباشراً، بل تجربة ممتعة تترك أثراً في داخله.》

▪︎كيف يستطيع الكاتب أن يشرح وطناً كاملاً لطفل؟

《لا أعتقد أن أي كتاب يستطيع أن يشرح وطناً كاملاً للطفل. ما يمكن أن يفعله هو أن يزرع البذرة الأولى. حاولت أن أقدم مفاهيم بسيطة و واضحة تترسخ في عقل القارئ وتثير فضوله ليبحث و يقرأ أكثر عندما يكبر. المهم أن تبقى الحكاية دافئة و قريبة من عالم الطفل، لأن الهدف ليس أن نحمل له الوطن كله، بل أن نفتح له باباً يقوده إليه.》

▪︎لو طلبنا منكِ أن تختصري الكوفية في كلمة واحدة فقط، ماذا ستكون؟ و لماذا؟

《إذا كان عليّ أن أختصر الكوفية في كلمة واحدة فستكون: “هوية”. الكوفية بالنسبة لي ليست قطعة قماش فقط، بل رمز يحمل تاريخاً و ذاكرة و انتماء. هي شيء يميز من يحب فلسطين و يشعر بالارتباط بها دون الحاجة إلى كثير من الشرح و الكلمات.》

▪︎أثناء الكتابة، هل كنتِ تشعرين أنكِ تكتبين بعين الكاتبة أم بقلب الأم؟

《بقلب أم تهوى الكتابة. الحقيقة أن “حكاية كوفية” لم تبدأ من فكرة كتاب بقدر ما بدأت من رغبتي في أن يكبر كنان محباً للقراءة ومعتاداً على أن تكون الكتب جزءاً من حياته اليومية. أنا أحب أن أرى الأطفال مثقفين وقريبين من المعرفة منذ سنواتهم الأولى، وأؤمن أن الكتاب الذي يدخل حياة الطفل مبكراً يرافقه طويلاً.
خلال الكتابة كنت أفكر في كنان أكثر من أي قارئ آخر. كنت أتخيل أسئلته واهتماماته والطريقة التي يمكن أن أوصل بها له هذه المفاهيم بحب وبساطة. لذلك أشعر أن الأم كانت حاضرة في كل صفحة من صفحات الكتاب، بينما جاءت الكاتبة لتساعدها على صياغة الحكاية بالكلمات.
وأتمنى أن تكون هذه مجرد بداية، وأن أستمر في كتابة هذا النوع من القصص التي تجمع بين متعة الحكاية والقيم التي نريد أن نغرسها في أطفالنا.》

▪︎هل ترين أن الأدب اليوم أصبح شكلاً من أشكال مقاومة النسيان؟

《بالتأكيد. الكتابة لا تُمحى بسهولة، بل تبقى وتنتقل من جيل إلى جيل. أنا شخصياً ورثت الكثير من الكتب عن والدي رحمه الله، وهو بدوره ورث بعضها عن والده. لذلك أؤمن أن الأدب أحد أهم أشكال مقاومة النسيان، لأنه يحفظ الذاكرة ويمنحها فرصة للاستمرار حتى بعد غياب أصحابها.》

▪︎إلى أي حد يحتاج الكاتب إلى دار نشر تؤمن بروح العمل أكثر من اقتصارها على طباعته فحسب؟

《الكاتب يحتاج إلى دار نشر تؤمن بروح العمل ورسالة الكتاب بقدر حاجته إلى الطباعة نفسها. فدور النشر لا يقتصر على إخراج الكتاب إلى النور، بل تساعد في توجيهه وإيصاله إلى القراء المناسبين ووضعه في الأماكن التي يستحق أن يكون فيها. عندما تؤمن دار النشر بالكتاب، يصبح مشروعاً ثقافياً حقيقياً لا مجرد نسخة مطبوعة على رف.》

▪︎في ختام هذا الحوار، تبدو “حكاية كوفية” أكثر من مجرد كتاب للأطفال؛ فهي محاولة صادقة لمدّ خيوط الذاكرة بين الأجيال، و لتعريف الطفل بوطنه من خلال الحكاية و المحبة و المعرفة. و من خلال تجربتها، تؤكد الكاتبة سجى ناصر الدين أن الكلمة قادرة على حفظ الهوية و صون الذاكرة، و أن الأدب يظل جسراً يصل الماضي بالحاضر ويمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرف إلى جذورها و الانتماء إليها.
كل الشكر للكاتبة سجى ناصر الدين على هذا اللقاء، مع أطيب التمنيات لها بمزيد من التألق و العطاء في مسيرتها الأدبية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى