حوارات

وليد بزالة: من الصعب التمييز بين الكاتب الحقيقي و الآلة.

حاورته: الكاتبة و الإعلامية سلمى القندوسي

يحمل بعض الكتّاب مشاريعهم الأدبية منذ البدايات، فيما تتشكل لدى آخرين مع كل تجربة يعيشونها و كل سؤال يرافقهم. و من بين الأصوات الشابة التي اختارت أن تكتب من داخل عالم الفانتازيا و ما وراء الطبيعة، يبرز الكاتب المغربي “وليد بزالة”، الذي ينسج في روايته الأولى عالماً يلتقي فيه الخيال بالهوية، و تجاور فيه الثقافة الأمازيغية السرد الأدبي.

في هذا الحوار على “مجلة ريشة الأدب الثقافية”، نقترب من تجربته الأولى، و من رؤيته للكتابة و القراءة و الهوية، و نترك للأجوبة أن تكشف ملامح رحلته الأدبية خطوةً بعد أخرى.

▪︎بما أنك تقول “إن الأدب رسالة حضارية لا مجرد ترف فكري”. متى أدركت لأول مرة أن الكتابة ستكون رسالتك في الحياة؟

《صراحةً، لم أدرك ذلك، بل جاء الأمر تلقائياً. وأظن أن السبب يعود إلى حبي للثقافة الأمازيغية، وإلى قراءتي ودرايتي بتاريخ الأمازيغ وتشبثهم بهذه الهوية منذ قرون. حينها سألت نفسي: كيف لهوية امتدت منذ زمنٍ بعيد، وضحّى من أجلها ملوك ومقاومون لتظل حية حتى تصل إلى زماني، و تنقرض؟ عندئذٍ شعرت بمسؤولية عظيمة، إذ إن هويتي اليوم تقف أمام منعطف تاريخنا: إما أن نتشبث بها كما تشبث بها أجدادنا من قبل، أو تنقرض كما انقرضت الحضارات التي عاصرتها. لكن ظل سؤال مطارداً لي: كيف ذلك؟ وكيف أحافظ عليها؟ حتى اكتشفت موهبتي في الكتابة، فأجبت عن السؤال تلقائياً دون أن أشعر، ووجدت نفسي أوصل رسالتي بما يخطه قلمي.》

▪︎في روايتك “صرخة العقول التائهة”، حضرت الثقافة الأمازيغية و حروف تيفيناغ بقوة. هل كان همّك الأول هو كتابة رواية ممتعة، أم الدفاع عن هوية ثقافية عبر الأدب؟

《صحيح أن ،كانت لي رغبةٌ ملحّةٌ في التشبث بأصلي والدفاع عن هويتي الثقافية، لكنني لم أدرك السبيل إلى ذلك، أو ماذا يجب عليّ أن أفعل؟
إلى أن اكتشفت موهبتي في الكتابة، وعندما بدأتُ أخط الحروف، كانت نيتي الأولى والوحيدة هي كتابة روايةٍ ممتعةٍ لا غير. حتى وجدت نفسي أدافع عن هويتي وثقافتي الأمازيغية عن طريق ما أكتب، أي كما سبق وقلت كان ذلك تلقائياً.
أما الآن، إن سألتني نفس السؤال، فإنني سأدمج بين الغايتين وأقول: إن همّي الأول أن أكتب رواية ممتعة أدافع فيها عن هويتي الثقافية، فتمتع القارئ وفي نفس الوقت تترك فيه بصمة الحَمِيّة والاعتزاز بالهوية.》

▪︎ذكرت أن جدك كان مصدر الإلهام الأول للرواية. ما الذي تركه فيك من أثر إنساني أو فكري حتى أصبح جزءًا من عالمك السردي؟

《صراحةً، لا أتذكر أي أثر فكري أو إنساني خلفه لي جدي ، لكن بعد موته وفقدانه لعقله ترك لي سؤالاً واحداً يلح عليّ: هل جدي فعلاً فقد عقله تلقائياً؟ أم أن المشعوذين استدرجوه لاستخراج الكنز، على قول بعض الناس؟ أم أنها مجرد خرافات اختلقوها للتضليل عن جرائمهم تحت ستار الشعوذة؟
أما عن كونه مصدر إلهامي الأول، فالسبب أنني في صغري، بفرط ما سمعت عن المشعوذين والمس والجن… في الفترة التي اختل فيها جدي، كنت أظن أنه تم استدراجه إلى عالم الجن، وأنه قُتل هناك على أيديهم، ومن هنا إسلتلهمت فكرة الرواية.》

▪︎كيف شكّلت طفولتك وعائلتك علاقتك بالكتاب؟ و هل تتذكر أول كتاب أو قصة أشعلت في داخلك شغف القراءة؟

《لا، لم يساهم أحد في ذلك بشكل مباشر، بل شكّلتُ علاقتي بالكتاب بنفسي، أما أول كتاب قرأته فكانت رواية لا تخبري ماما للكاتبة توني ماغواير رغم أنها كانت أكبر من سنّي آنذاك، إلا أن أسلوبها وقصتها لامست قلبي وتركت فيّ أثراً عميقاً. يمكنني القول إنها هي من أخذت المبادرة الأولى لإشعال شغف القراءة في داخلي.》

▪︎أنت قارئ للأدب العالمي بمختلف مدارسه. ما أبرز الكتّاب أو الأعمال التي ساهمت في تشكيل أسلوبك، و كيف تحرص على أن يبقى صوتك الأدبي متفردًا رغم تعدد التأثيرات؟

《في إصداري الأول، صراحةً، لم يساهم أيٌّ من الكتّاب الذين قرأتُ لهم في تشكيل أسلوبي. لكن ربما في أعمالي الأخرى مستقبلاً، ربما قد تجد، عن غير قصد، بصمة خفيفة، لأحد الكتّاب الذين تأثرتُ بأعمالهم.》

▪︎اخترت الفانتازيا و ما وراء الطبيعة لتقديم قضايا الهوية و الصراع النفسي. لماذا هذا الجنس الأدبي تحديدًا؟ و هل ترى أن الخيال أحيانًا أصدق من الواقع؟

《اخترتُ هذا الجنس الأدبي بالتحديد، لأن أول رواية فانتازيا قرأتُها هي من أشعلت داخلي شغف الكتابة. وأما بالنسبة لسؤالك: لماذا اخترتُه لتقديم قضايا الهوية؟ يمكنني القول إنه هو من اختارني لتقديم ذلك، ولستُ أنا
نعم، الخيال قد يبلغ صدق الواقع أحيانا، لكن في آخر المطاف يبقى الخيال خيالاً والواقع حقيقةً لا يمكن تكذيبها.》

▪︎المرأة الأمازيغية في روايتك رمز للقوة و الصمود. كيف ترى دور الأدب في إعادة تقديم صورة المرأة بعيدًا عن القوالب النمطية؟

《أرى أن دور الأدب هو كسر المرآة القديمة اللي كانت تعكس المرأة ضعيفة و تابعة و … واستبدالها بمرآة جديدة تعكس حقيقتها: امرأة قوية ،شجاعة ، حكيمة…
الأدب لا يغير الواقع مباشرة، لكنه يغير الصورة في عقل القارئ. وعندما تتغير الصورة في العقل، يتغير الواقع على الأرض.》

▪︎في زمن تتسارع فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي القادرة على إنتاج النصوص، ما الذي سيظل يميز الكاتب الحقيقي عن الآلة في رأيك؟

《صراحةً، من الصعب جداً التمييز بين الكاتب الحقيقي والآلة. لكن ربما أقول: الأسلوب. إن كان أسلوب الكاتب غير عادي و مميّزاً جداً، ثم فكرة الرواية إن كانت مغايرة وجديدة ولم ترَ النور بعد، لأن الذكاء الاصطناعي لا يولّد أفكاراً جديدة بل يعيد تدوير أفكارٍ تم تداولها من قبل على الإنترنت.
أما بالنسبة لي فأنا لست ضد الكتابة بالآلة، لأننا لا يمكننا منع التطور أو محاربته. والمهم سواء كُتب النص بالذكاء الاصطناعي أو بالعقل البشري هو أن يستمتع القارئ بما يقرأ وتصله الفكرة والرسالة التي يريد صاحب النص إيصالها له. لا تهم الوسيلة، المهم هو الغاية.》

▪︎تحلم بأن تصل الثقافة الأمازيغية إلى العالم عبر الأدب. ما الخطوات التي تراها ضرورية لتحقيق هذا الحلم؟ و هل تراهن على الترجمة، أم على قوة النص نفسه؟

《ربما أبدأ بالكتابة عن الإنسان قبل الثقافة، مع الحفاظ على الأصالة: الكلمات والأماكن الأمازيغية، ثم التطرق إلى المواضيع المسكوت عنها.
وأراهن على الاثنين معاً: النص القوي هو الأساس، والترجمة هي الجسر الذي يوصله إلى العالم.》

▪︎إذا قرأ أحدهم رواية “صرخة العقول التائهة” ثم أغلق صفحاتها، ما الفكرة أو الشعور الذي تتمنى أن يبقى عالقًا في ذهنه بعد سنوات؟

《أتمنى أن تبقى في ذهنه فكرة واحدة وهي : على الإنسان أن يعيش بكرامة و يلغي وجود كل من يحاول أن يسلب منه عقله ويلغي وجوده، مهما كانت قوته .》

▪︎في ختام هذا الحوار، تتجلى تجربة وليد بزالة بوصفها بدايةً أدبية تحمل رؤية واضحة و طموحًا يتجاوز حدود الإصدار الأول. و بين الفانتازيا و الهوية، وبين الخيال و الواقع، يواصل رهانه على الكلمة وقدرتها على حفظ الذاكرة و فتح آفاق جديدة للأدب الأمازيغي. نتمنى له مزيدًا من التألق، و نترقب أعماله القادمة بشغف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى