المقالات

في حكمة التأخير

ليست كل يدٍ امتدّت لتأخذ قد كُتب لها أن تملك، وليست كل عينٍ تعلّقت بأفقٍ بعيدٍ كان ذلك الأفق وجهتها. فكم من سفينةٍ أصرّت على مرفأ، وكانت النجاة في أن تُغيّر الريح مسارها. وكم من غصنٍ ظنّ أن انكساره نهاية الحكاية، فإذا به يفسح المجال لربيعٍ أكثر اخضرارًا.
إن للأقدار لغةً لا تُقرأ في لحظتها، بل تُفهم بعد أن يعبر الزمن فوقها برفق. فما حسبناه تأخيرًا، كان في الحقيقة نضجًا للوقت، وما ظننّاه حرمانًا، كان رحمةٌ تُبعد عن القلب ما لا يليق به. فالثمرة التي تُقطف قبل أوانها لا تمنح حلاوتها، والمطر الذي يهطل قبل موسمه لا يُحيي الأرض كما ينبغي، وكل شيءٍ جميلٍ يعرف الساعة التي يليق بها أن يولد.
ولعلّ أجمل العطايا هي تلك التي جاءت بعدما انطفأت الرغبة في استعجالها، لأن القلب حينها يكون قد تعلّم أن يميّز بين ما يشتهيه، وما يستحقّه. فليس كل ما تمنّته النفس كان خيرًا لها، كما أن ليس كل ما غاب عنها كان خسارة. فبعض الأشياء تُنتزع من بين أيدينا كما تُنتزع الشوكة من الكف، يؤلمنا فقدها لحظةً، ثم ندرك لاحقًا أن الألم الحقيقي كان في بقائها.
والحياة لا تُغلق بابًا لتترك العابر في العراء، بل تُبعده أحيانًا عن طريقٍ ازدانت بدايته بالورود، بينما كانت نهايته مليئةً بالأشواك. وتدعوه إلى طريقٍ آخر بدا شاقًا، لكنه كان يقوده إلى السكينة التي لم يكن يعرف أنه يبحث عنها.
لذلك لا تأسَ على ما مضى، ولا تُرهق روحك بسؤال: “لماذا لم يحدث؟” فالأشياء التي كُتبت لك لا تحتاج إلى مطاردة، بل ستأتيك كما يصل الفجر إلى النافذة كل صباح، دون أن يستأذن الليل. وما لم يكن لك، فلن تُغيّر الدنيا مجراها ليصبح لك، لأنه خُلق ليمضي، لا ليبقى.
فاطمئن… فما أخطأك لم يكن ضياعًا، بل كان طريقًا لا يحمل اسمك، وما ينتظرك لن يضلّ عنوان قلبك، لأن عطاء الله ورزقه لا يتأخر إلا ليأتي في هيئةٍ تليق بجمال الوعد وكمال العوض.

مرتينا موسى برادعية✍🏻.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى