
حاورتها: الكاتبة و الإعلامية سلمى القندوسي
تواصل الدراسات النقدية و الأكاديمية دورها في إعادة قراءة التراث و استكشاف جمالياته من زوايا جديدة، و هو ما يتجلى بوضوح في كتاب “بلاغة الوصف في النص النثري العربي القديم” للدكتورة غزلان عتقاوي. هذا الإصدار لا يكتفي بالوقوف عند الوصف بوصفه مكوناً فنياً في النص، بل يتتبع وظائفه البلاغية و الحجاجية، و يكشف كيف يتحول إلى أداة للتأثير و الإقناع و صناعة المعنى.
الدكتورة غزلان عتقاوي أستاذة جامعية و باحثة مغربية تجمع بين العمل الأكاديمي و الانشغال بقضايا اللغة و الأدب و النقد، و قد اختارت أن تخوض في مساحة معرفية دقيقة داخل التراث النثري العربي، مستنطقة النصوص القديمة و مقاربة أسرارها البلاغية برؤية علمية تجمع بين التحليل و المتعة القرائية.
في هذا الحوار مع مجلة «ريشة الأدب الثقافية»، تحدثنا الدكتورة غزلان عتقاوي عن علاقتها المبكرة بالكلمة، و رحلة إنجاز هذا الكتاب، و أهمية الوصف في تشكيل وعي المتلقي، كما كشفت عن أبرز التحديات التي رافقت تجربتها البحثية، و رؤيتها لمستقبل النقد و البحث العلمي ودور النشر المغربية في دعم الثقافة و المعرفة.
▪︎بين طفلة تشاهد العالم و تتأمله، و أكاديمية تفكك نصوصه؛ كيف بدأت علاقة الدكتورة غزلان عتقاوي بالكلمة و الوصف؟ و هل كانت هناك “لوحة” أو “مشهد” في طفولتكِ شعرتِ برغبة جارفة في وصفه و صياغته نثراً؟
《بدأت حكايتي مع الوصف وأنا طفلة، من خلال حكايات جدتي. كانت تحكي وتصف الشخصيات والأمكنة، فكان الوصف يرسم في ذهني صورًا متخيلة انطلاقًا من الوصف الشفهي. وكنتُ أحاول بدوري أن أصف ما أتخيله بطريقة معبِّرة عند الإلقاء.》
▪︎ من يقرأ سيرتكِ الأكاديمية يرى مساراً حافلاً بالجد و الالتزام. من كانت الشخصية (في الأسرة أو الدراسة) التي آمنت بالدكتورة غزلان الإنسانة قبل الأكاديمية، و دعمت شغفها حتى رأى هذا العمل النور؟
《 كان المشجِّع الأول في حياتي هو أمي، رحمها الله. آمنت بي، أو بالأحرى كانت تعتبرني أكبر إنجازاتها في الحياة. كانت تشجعني بإصرار على القراءة والكتابة، لأن ذلك كان حلمها الذي لم تستطع تحقيقه. وكنت أشعر وكأن شيئًا منها ظل ينمو داخلي، حتى صارت الكتابة رسائلَ سلامٍ إلى روحها الطيبة.》
▪︎ كتابكِ يحمل عنواناً جاذباً: “بلاغة الوصف في النص النثري العربي القديم”. في زمن يميل فيه الكثيرون للسهل و السريع، لماذا اخترتِ الغوص في النثر العربي القديم تحديداً؟ و ما هو السحر المخبوء في هذا التراث و لم يكتشفه القارئ المعاصر بعد؟
《صحيح، في هذا العصر يميل الكثيرون إلى السهل والسريع، لكن ذلك لا يقلل من قيمة النثر العربي القديم ومكانته الكبيرة في التراث العربي. فهو يتميز بأسلوبه البليغ وسحره اللافت، ويزخر بالمشاهد الوصفية والصور الفنية التي تستحق البحث والتقصي. كما أن قراءة النثر القديم تمنح القارئ متعةً خاصة، بما فيه من كلام بليغ ممتع في قراءته، وعميق ومقنع في فهمه.》
▪︎أشرتِ على ظهر الغلاف إلى أن الوصف ليس مجرد “زينة” أو حياد، بل هو وسيلة “حجاجية تهدف للإقناع أو التأثير و توجيه المتلقي”. كيف يمكن للوصف أن يقود عقل القارئ دون أن يشعر؟ و هل يمكن أن تعطينا مثالاً مبسطاً من كتابكِ يوضح هذه الفكرة الشائقة؟
《صحيح، فالوصف ليس مجرد كلام حيادي، بل هو وسيلة حجاجية تهدف إلى الإقناع والتأثير. فعندما يرغب الكاتب، مثلاً، في زرع الخوف في المتلقي، فإنه يختار العبارات التي تجعل هذا المتلقي يشعر بذلك الإحساس، مثل وصف المشاهد الدامية وغيرها من الصور التي تؤجج المشاعر. ونتيجة لذلك يتفاعل القارئ مع هذه العبارات، فتؤثر في وجدانه وعقله الباطن. لذلك يُعدّ الوصف وسيلةً فعّالة لتحريك العاطفة وتعزيز الإقناع.》
▪︎”المتعة و الإقناع العقلي و العاطفي”.. معادلة ثلاثية صعبة ركزتِ عليها في دراستكِ. كيف استطاعت الدكتورة غزلان عتقاوي الموازنة بين جفاف المنهج النقدي و عاطفة النص النثري أثناء رحلة تأليف هذا الكتاب؟
《صراحةً، كانت رحلة العمل شاقة، خاصةً في محاولة الموازنة بين جفاف المنهج النقدي وعاطفة النص النثري. لكن الكشف عن هذه المعادلة، التي تجمع بين المتعة والإقناع العقلي والعاطفي، تحقق من خلال الإنصات إلى النصوص نفسها؛ فهي التي تفرض منهج قراءتها، وتكشف ما إذا كانت تهدف إلى الإمتاع بما تحمله من نثر بليغ، أو إلى محاورة القارئ وإقناعه بأفكارها.》
▪︎ سوق النشر العربي اليوم يزخر بالعديد من الدور و الخيارات، و تعددت أمامكِ الوجهات؛ كيف كان القرار و الانحياز لصالح “مجموعة كلتورا الدولية للنشر والتوزيع؟
《صحيح أن المجال العربي متعدد، وأن الخيارات كثيرة، وقد سبق لي أن نشرتُ مع دور نشر عربية أخرى، منها دور نشر أردنية. لكن هذه المرة اخترت كلتورا الدولية للنشر والتوزيع؛ أولًا لأنها دار نشر مغربية، ويتميّز القائمون عليها بروح المسؤولية والانضباط. كما أنني أحرص على دعم دور النشر الجيدة في المغرب وتشجيع المنتوج الثقافي المغربي، لأن المغرب يزخر بطاقات هائلة، سواء على مستوى الكتابة والتأليف، أو على مستوى دور النشر.》
▪︎ إنتاج كتاب أكاديمي ونقدي بهذا الحجم يتطلب تفاهماً كبيراً بين المؤلف و الناشر. كيف تصفين رحلة التعاون مع الطاقم الإداري للدار، لإخراج الكتاب بهذا المظهر المتميز؟
《بصراحة، لم يكن التفاهم صعبًا؛ لأن الناشر، السيد ياسين، كان مُصغيًا باهتمام إلى رؤيتي فيما يخص تصميم الغلاف، وكانت له أيضًا رؤيته الخاصة. وحاولنا أن نوفّق بين الرؤيتين، حتى خرج هذا الغلاف الجميل إلى حيّز الوجود.》
▪︎ لو طلبنا منكِ توجيه رسالة إلى “القارئ العام” – وليس الأكاديمي المتخصص فقط – لماذا يجب أن يقتني هذا الكتاب؟ ما الذي سيضيفه “بلاغة الوصف” إلى حصيلته الفكرية أو طريقته في تذوق النصوص والحياة؟
《رسالتي إلى القارئ هي أن هذا الكتاب ليس موجَّهًا فقط للقارئ المتخصص، وإنما للقراء عامة. فهو كتاب يتناول مكوّن الوصف في الخطاب، والوصف ليس شيئًا عابرًا، بل هو أداة تحتاج إلى وقفة تأملية لفهمها واستعمالها. وأتمنى أن يجد فيه القارئ ضالته.》
▪︎ لكل كتاب رحلة مخاض وصعوبات، ولكل باحث لحظات تحدٍّ. ما هي أكبر العقبات التي واجهتكِ أثناء إعداد هذه الدراسة، وما هي النصيحة التي تقدمينها اليوم للشباب والباحثين الذين يخطون خطواتهم الأولى في عالم البحث والنشر؟
《صحيح أن هناك العديد من الصعوبات التي واجهتني، أولها ضيق الوقت، لأنني أشتغل في مجال التعليم العالي ولديّ مهام كثيرة أخرى. لكن نصيحتي لكل من يواجه هذه المشكلة هي أن يتشجع ويبدأ العمل، وأن يضع خطة وفق جدوله الزمني لتحقيق أهدافه.
كما أنني أشجّع على القراءة؛ فالقراءة المتأنية والمنفتحة هي التي تجعل الإنسان كاتبًا قادرًا على التعبير والشرح والفهم. وكلما كانت القراءة جيدة، كانت الكتابة أفضل.》
▪︎ختاماً، هذا الكتاب المتميز يُعدّ لبنة قوية في مسيرتكِ؛ فهل هو نهاية مرحلة بحثية أم بداية لمشروع نقدي أوسع؟ وما هي ملامح خطوتكِ القادمة مع “مجموعة كلتورا الدولية”؟
《هذا الكتاب هو بوابة لبداية مشاريع نقدية وإبداعية. إن شاء الله، ما زالت هناك كتب أخرى “تُطبخ” في الكواليس، نعمل على إنهائها لتخرج إلى الوجود. وطبعا ستكون مع دار النشر كلتورا الدولية للنشر والتوزيع، لأنها تمثل بوابة حقيقية للمؤلفين الشباب.
وأدعو جميع المؤلفين إلى تشجيع المنتوج الثقافي المغربي، سواء عبر قراءة الكتب المغربية أو دعم دور النشر المغربية، لأن المغرب يزخر بطاقات كبيرة على مستوى الكتابة والتأليف، وكذلك على مستوى دور النشر، وهي طاقات تستحق أن تُشجَّع وتُقرأ وتُسمَع.》
▪︎في ختام هذا الحوار، تكشف الدكتورة غزلان عتقاوي عن رؤية أكاديمية تؤمن بأن البحث العلمي هو جهد متواصل لإعادة اكتشاف النصوص و فهم آليات تأثيرها في الإنسان. و من خلال كتابها “بلاغة الوصف في النص النثري العربي القديم”، تفتح نافذة جديدة على جانب ثري من التراث العربي، مؤكدة أن القراءة المتأنية و البحث الجاد يظلان أساس كل مشروع معرفي ناجح.
نتوجه للدكتورة غزلان عتقاوي بخالص الشكر على هذا الحوار الثري، متمنين لها المزيد من التألق في مسيرتها العلمية و الإبداعية، و لمشاريعها البحثية القادمة كل النجاح و الانتشار.
