
ها هو شهر رمضان يستعد للرحيل، ولم يتبقَّ منه سوى الثلث الأخير، حيث يحين وقت الانطلاق في رحلة العبادة والتقرب إلى الله، رحلة تجديد العهد مع الصلاة، والذكر، والدعاء.
فإذا كان شهر رمضان هو خير الشهور وأفضلها، فإن العشر الأواخر منه تعدُّ أكرم أيامه وأعظم لياليه…
*العشر الأواخر… فرصة مباركة*
مع بداية العشر الأواخر، يزداد الحماس والالتزام بين المسلمين، إذ تعتبر هذه الأيام فرصة عظيمة ومباركة، تتضاعف فيها الحسنات، وتغمر القلوب بالرحمة والمغفرة، فتزداد خشوعًا وشوقًا إلى التقرب من الله.
إنها ليست مجرد أيام عابرة، بل هي أيام ثمينة لا تُعوَّض، ففيها تتنزّل الرحمات، وتُستجاب الدعوات، وتُرفع الدرجات، وتُغفر الذنوب، ويكثر العتق من النار.
*ليلة القدر… خيرٌ من ألف شهر*
إنها ليلة واحدة من العشر الأواخر، تعادل في فضلها ألف شهر، وهي الليلة التي نزل فيها القرآن الكريم، فيتجلّى فيها باب الرحمة والمغفرة، ويمحو الله بها الذنوب لمن شاء من عباده.
*هدي النبي ﷺ في هذه الأيام العظيمة*
خصّ الله تعالى العشر الأواخر من رمضان بفضائل تميزها عن بقية ليالي الشهر، إذ كان النبي ﷺ يجتهد فيها بالعبادة والطاعات أكثر مما يجتهد في غيرها.
وهذه الأيام المباركة هي نفحات ربانية ينبغي على المسلم اغتنامها، فالموفق من يدرك أن حسن الختام يُكفّر عن تقصير البداية، وأن الأعمال بخواتيمها.
وأول ما يُستحب في هذه الأيام هو ترك الخصام والتشاحن، وتطهير القلوب من الغلّ والحقد، فقد يكون الخصام سببًا في الحرمان من العفو والمغفرة، ومن أراد أن يعفو الله عنه، فليبدأ هو بالعفو عن الناس.
كما توصي السنة النبوية بالاجتهاد في العبادة خلال هذه الليالي، فقد كان النبي ﷺ يوقظ أهله للصلاة والذكر حرصًا على اغتنامها. قال ابن رجب: “لم يكن النبي ﷺ إذا بقي من رمضان عشرة أيام، يدع أحدًا من أهله يطيق القيام إلا أقامه.”
لذلك، يُستحب للمسلمين خلال هذه الأيام الإكثار من العبادات والطاعات، مثل قيام الليل، وقراءة القرآن وتدبر معانيه، والإكثار من الدعاء والاستغفار، والصدقة، والبرّ بالوالدين. كما أن الاعتكاف من السنن المستحبة في هذه الفترة، حيث ينقطع المسلم للعبادة بعيدًا عن مشاغل الحياة.
*ختام رمضان… بداية جديدة مع الله*
فليكن ختام العشر الأواخر بالتوبة النصوح والعودة الصادقة إلى الله، ونسأله أن يجعلنا من عتقائه من النار في هذه الليالي المباركة.
إنها فرصة لتصحيح المسار، وتعويض ما فاتنا من أول الشهر بآخره، والانطلاق بروح جديدة نقية، ساعين لملازمة طاعة الله في سائر أيام حياتنا.
حنان فارس – المغرب