المقالات

حين تتكلم الأرض: الأمازيغية كحق لا كرم

بقلم ابراهيم بنفور

أ_ القضية الأمازيغية:

تُعد القضية الأمازيغية في شموليتها قضية شعب عانى ـ-ولا يزال – من مختلف أشكال التهميش والإقصاء، سواء على المستوى الثقافي أو الاجتماعي أو السياسي. فليست المسألة الأمازيغية محصورة في بعدها الفلكلوري أو اللغوي، كما تحاول بعض الخطابات الرسمية أو الإعلامية تصويرها، بل هي بالأساس قضية سياسية تتعلق بالهوية والعدالة التاريخية، وبحق شعب أصيل في الاعتراف بوجوده الكامل داخل الدولة والمجتمع  .ولقد شكلت السياسات المركزية التي تبنتها الدولة المغربية بعد الاستقلال أحد أبرز أسباب تهميش الأمازيغية، من خلال فرض نموذج ثقافي موحد قائم على تعريب شامل للمجالين اللغوي والتعليمي، وإن اختزال القضية الأمازيغية في بعدها الثقافي وحده يعد نوعًا من إعادة إنتاج التهميش في صورة ناعمة، لأن جوهر المطالب الأمازيغية يرتبط بالحق في المشاركة السياسية، وفي صياغة السياسات العمومية، وفي إعادة كتابة التاريخ الوطني بشكل عادل، يعترف بجميع روافده. ومن هنا، فإن القضية الأمازيغية تندرج ضمن النضالات من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ولا يمكن فصلها عن الحراك المجتمعي الواسع الساعي إلى بناء دولة مواطنة تضمن الحقوق للجميع دون تمييز.

ب_ مشروعية القضية الأمازيغية

تستند مشروعية القضية الأمازيغية إلى مرتكزات تاريخية وعلمية صلبة تجعل منها قضية عادلة تستحق الاعتراف والإنصاف ضمن إطار الدولة الحديثة والمجتمع الديمقراطي. فبعيدًا عن الأدلجة الإيديولوجية أو التوظيف السياسي الضيق، فإن الأمازيغية ـ لغة وثقافة وهوية ـ تشكل مكونًا أصيلاً في تاريخ شمال إفريقيا، الأمر الذي يضفي على المطالب المرتبطة بها شرعية تاريخية وحقوقية قائمة على مبدأ الإنصاف والاعتراف بالتعدد.

            البعد التاريخي للمشروعية :

تُجمع العديد من الدراسات التاريخية على أن الأمازيغ هم السكان الأصليون لشمال إفريقيا، وقد لعبوا أدوارًا محورية في صياغة تاريخ المنطقة، سواء قبل الغزو الإسلامي أو بعده. فقد أسس الأمازيغ ممالك قوية مثل نوميديا تحت حكم ماسينيسا، كما ساهموا في المقاومة ضد الاحتلال الروماني والبيزنطي وفي العصر الإسلامي، كانت القبائل الأمازيغية القوة الحاسمة في نشوء دول إسلامية كبرى كدولة المرابطين والموحدين والمرينيين، وهو ما يدل على انخراطهم التاريخي في بناء الدولة في شمال إفريقيا.

            البعد العلمي واللغوي :

تُعتبر اللغة الأمازيغية من اللغات العريقة التي تنتمي إلى العائلة الأفروآسيوية، ويُقرّ اللسانيون اليوم بأنها لغة قائمة بذاتها، لها قواعد وصيغ صرفية ونحوية معقدة، وليست مجرد لهجة كما كان يُزعم سابقًا وقد أسهمت العديد من البحوث في تأكيد أن الأمازيغية مؤهلة لأن تكون لغة تعليم وإدارة، خاصة مع توحيد تيفيناغ كلغة مكتوبة معيارية واعتمادها في السياسات الثقافية الرسمية ببعض بلدان شمال إفريقيا منذ أوائل القرن الحادي والعشرين.

كما تؤكد الدراسات الأنثروبولوجية أن الثقافة الأمازيغية ليست فقط تراثًا رمزيًا، بل هي نسق معرفي واجتماعي متكامل، يضم أنماط الإنتاج، والعلاقات الاجتماعية، ونُظم العدالة المحلية، والمعتقدات، مما يمنحها مكانة هامة ضمن التعدد الثقافي في شمال إفريقيا

            المشروعية القانونية والحقوقية:

تُعزز مشروعية المطالب الأمازيغية أيضًا بالمرجعيات القانونية الدولية، خصوصًا اتفاقيات الأمم المتحدة المتعلقة بحقوق الشعوب الأصلية وحقوق الأقليات، والتي تنص على حق الشعوب في الحفاظ على لغاتها وثقافاتها وهوياتها الخاصة، وتطويرها داخل إطار المواطنة المتساوية. كما أن بعض دساتير دول شمال إفريقيا ـ مثل دستور المغرب لسنة 2011 ـ أقرت صراحةً بأن الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب العربية، ما يمنح الاعتراف القانوني الكامل بمشروعيتها.

ج_ الهوية الأمازيغية

تُعدّ الهوية من المفاهيم المركزية في العلوم الاجتماعية والإنسانية، لما لها من دور حاسم في تشكيل العلاقات داخل المجتمع وفي تحديد موقع الأفراد والجماعات داخله. ويكتسي مفهوم الهوية بُعدين أساسيين: الهوية الفردية، والهوية الجماعية، وهما متكاملان في بناء الذات وتحديد الانتماء. وفي السياق المغاربي، تمثل الهوية الأمازيغية إحدى أبرز التعبيرات عن الهوية الجماعية التاريخية التي حافظت على تماسكها رغم محاولات الطمس والتهميش. الهوية الأمازيغية هي تعبير جماعي عن انتماء شعوب شمال إفريقيا إلى حضارة ضاربة في القدم، تتميز بلغتها الخاصة (تمازيغت بأصنافها المختلفة)، وثقافتها الشفهية، ونظامها الرمزي والفني، وبنياتها الاجتماعية المحلية (مثل الجماعة والعرف)، ونظرتها الفلسفية للكون والطبيعة. وقد حافظت هذه الهوية على حضورها رغم قرون من التحولات السياسية والثقافية والدينية، وهو ما يجعلها اليوم نموذجًا حيًّا لهوية جماعية ذات جذور تاريخية عميقة وقابلية للتطور والاندماج في السياق الوطني والحديث. لقد تم تغييب الأمازيغية في مراحل تاريخية مختلفة، سواء خلال الحقبة الاستعمارية التي حاولت تجزئة الهويات، أو في الدولة الوطنية ما بعد الاستقلال، التي تبنّت تصورًا وحدويًا للهوية قائمًا على مركزية اللغة العربية والإسلام الرسمي. غير أن الحركة الأمازيغية، باعتبارها تعبيرًا عن وعي جمعي، أعادت طرح سؤال الهوية من منظور ديمقراطي تعددي، قائم على الاعتراف بالتنوع الثقافي واللغوي.

ج_1: الهوية الجماعية والفردية

الهوية الفردية تشير إلى إدراك الشخص لذاته باعتباره كيانًا فريدًا يحمل خصائص شخصية، نفسية، اجتماعية وثقافية، تجعله مختلفًا عن الآخرين، لكنها في الوقت نفسه تتفاعل مع السياق الاجتماعي الذي يعيش فيه. وتتشكل الهوية الفردية عبر الزمن، من خلال التفاعل مع العائلة، المدرسة، الجماعة، اللغة، والدين.

أما الهوية الجماعية، فهي ذلك الشعور المشترك بالانتماء إلى جماعة معينة، سواء كانت إثنية، أو لغوية أو ثقافية أو دينية. وتشمل هذه الهوية منظومة من الرموز والقيم واللغة والتاريخ المشترك، وتشكل أساسًا لبناء التضامن الاجتماعي، وتوليد الشعور بالانتماء والولاء لمجموعة بشرية محددة.

ج_2: محددات الهوية الجماعية

تُعدّ الهوية الجماعية من أكثر المفاهيم تركيبًا في الفكر السياسي والاجتماعي، نظرًا لتداخل أبعادها الأنطولوجية والثقافية والسياسية. وتُطرح الهوية الجماعية بوصفها سؤالًا وجوديًا وجيوسياسيًا في آنٍ معًا، إذ تتعلق بفهم الجماعة لذاتها من جهة، وبكيفية تموضعها ضمن النسق التاريخي والسياسي من جهة أخرى. ولأن الهوية ليست معطى ثابتًا، بل بناءٌ متحول، فقد تعددت مقاربات الفلاسفة والمفكرين في تحليل محدداتها، وتباينت تصوراتهم بشأن ثوابتها وحدودها وقابليتها للتأويل.

رغم استبعاد أغلب الاتجاهات النظرية لفكرة وجود محددات “علمية” أو “ثابتة” مطلقة للهوية الجماعية، يمكن التمييز بين عناصر تُؤدي دورًا وظيفيًا في إنتاج الانتماء، وتُعتبر بمثابة ثوابت نسبية، على غرار: المجال الجغرافي، اللغة الأم، الأصل أو النسب، الدين المؤسس، الرموز الجماعية (كالاسم، العلم، الأسطورة التأسيسية). هذه العناصر لا تُعبّر بالضرورة عن جوهر قار، لكنها تُضفي نوعًا من الاستمرارية والشرعية التاريخية على الهوية. في هذا الإطار، يرى بول ريكور أن الهوية الجماعية ليست معطى جاهزًا، بل سردية دينامية تُشكَّل عبر الزمن من خلال إعادة بناء الذاكرة المشتركة. فيما يُؤكد تشارلز تايلور أن فهم الذات لا يتم إلا ضمن “أفق تأويلي” ثقافي ولغوي، وأن اللغة تشكل فضاءً للمعنى، وليست مجرد أداة للتواصل. أما أكسيل هونيث، فيُركز على أهمية “الاعتراف”، ويعتبر أن بناء هوية جماعية متوازنة يمر عبر نيل التقدير والشرعية داخل الفضاء الاجتماعي. من منظور سوسيولوجي، يُسلط بيير بورديو الضوء على البنية اللاواعية التي تُعيد إنتاج الهوية من خلال ما يسميه بـ”الهابيتوس”، أي نمط الحياة والممارسات المتجذّرة في التاريخ الاجتماعي للجماعة. ويُقدم كورنيليوس كاستورياديس تصورًا فلسفيًا مميزًا حين يعتبر أن كل جماعة تتخيّل ذاتها عبر “الخيال الاجتماعي المؤسِّس”، الذي يمنحها رموزها وأسطورتها التأسيسية. أما فوكو، فيكشف عن البعد السلطوي للهوية، ويبرز كيف أن الخطاب والمعرفة يشاركان في تشكيل تصور الجماعة لذاتها، عبر التحديدات التي تفرضها مؤسسات السلطة.

كل هذه التصورات تشير إلى أن ما يبدو “ثابتًا” في الهوية الجماعية هو في الواقع ثبات وظيفي أو رمزي، يُعاد تأويله باستمرار من خلال الذاكرة، الممارسة، الاعتراف، والخطاب. وبالتالي، فإن الهوية لا تُختزل في معطيات بيولوجية أو عرقية، بل تتشكّل ضمن صيرورة تاريخية وثقافية، تخضع لتوتر دائم بين الاستمرارية والتحول.

ج_3: أهمية الهوية الجماعية في بناء المجتمع

شكلت الهوية الجماعية موضوعًا محوريًا في الفكر الفلسفي والاجتماعي، نظراً لأثرها العميق في تشكيل المجتمعات وتوجيه السلوك الجمعي. وقد اختلف الفلاسفة في زوايا معالجتهم للهوية الجماعية، لكنهم أجمعوا على دورها الجوهري في بناء وتماسك المجتمع، سواء من حيث إرساء أسس التعايش، أو من حيث دعم الاندماج والتضامن الاجتماعي.

  1. جان جاك روسو (Jean-Jacques Rousseau):

في كتابه “العقد الاجتماعي”، يؤكد روسو أن المجتمع لا يقوم على مجرد مجموع الأفراد، بل على إرادة جماعية (volonté générale) تعبر عن هوية مشتركة تتجاوز المصالح الفردية. هذه الإرادة تُشكّل أساس الانتماء السياسي والثقافي، وتُبنى على قيم مشتركة وهوية موحدة يشعر بها الأفراد كجزء من كلٍّ أوسع.

  1. هيغل (G.W.F. Hegel):

يُبرز هيغل في فلسفة التاريخ أهمية الهوية الثقافية في تشكيل “الروح القومية” (Volksgeist)، والتي يرى أنها تعبير عن تطور التاريخي للعقل الجمعي لشعب ما. هذه الروح، بحسب هيغل، تُشكل أساس وحدة الدولة والمجتمع، وتمنح الأفراد شعورًا بالمعنى والانتماء.

  1. إميل دوركايم (Émile Durkheim):

كمؤسس للسوسيولوجيا الحديثة، يرى دوركايم أن المجتمعات لا يمكن أن تستمر دون “الوعي الجمعي” (conscience collective) ، وهو شكل من أشكال الهوية الجماعية التي تتجلى في الدين، والرموز، والقيم، والعادات. هذا الوعي يضمن التماسك الاجتماعي، ويُحدد ما هو مقبول ومرفوض داخل الجماعة.

  1. بنديكت أندرسون (Benedict Anderson):

في كتابه “الجماعات المتخيلة” (Imagined Communities) ، يرى أندرسون أن الهوية القومية تُبنى على تصوّر مشترك للجماعة، يتشكل عبر اللغة، والتاريخ، والمؤسسات الرمزية. ورغم أن هذه الجماعة قد تكون “متخيلة”، إلا أنها واقعية في آثارها، إذ تُنتج الانتماء، وتدفع الأفراد للتضحية في سبيل المجموعة.

  1. تشارلز تايلور (Charles Taylor):

في أطروحاته حول الاعتراف، يؤكد تايلور أن الهوية الجماعية ضرورية لتمكين الأفراد من تطوير هويتهم الفردية. فالفرد لا يكتسب وعيه بذاته إلا من خلال الانتماء إلى جماعة تعترف به وتشاركه اللغة والثقافة. ولذلك، فإن تهميش هويات جماعية معينة يُعد شكلاً من أشكال الظلم البنيوي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى