
عندما أتعب، ويتعلّق أملي بشيءٍ واحد أراه بعيدًا كأنّه آخر الضوء في نفقٍ طويل، لا يكون التعب إرهاق جسد فحسب، بل ارتجاف روح بين الرجاء والخوف. أتعب وأنا أسعى وأعمل وأقاوم، أرتّب فوضاي الداخلية وأجمع شتات قلبي كلّما بعثرته فكرةٌ سوداء همست لي: كفى. أقترب من الاستسلام كما يقترب الغريق من حافة اليأس، أمدّ يدي إليه لحظة ثم أستردّها، لأن في داخلي صوتًا أعمق يقول: لم تصلي بعد، فلا تتوقّفي الآن.
كم مرّة خفت، وشعرت أنّ الطريق أطول من قدرتي، وأن الوقوف أرحم من مواصلة السير؟ كان الوقوف أسهل من السعي، والتراجع أهون من المواجهة، وكان النوم على فكرة “لم أعد أستطيع” أدفأ من الاستيقاظ على “سأحاول من جديد”. ومع ذلك اخترت الطريق الأصعب؛ مشيت لا لأنني لا أتعب، بل لأنني أتعب وأمشي معًا.
وحين أصل، قد لا أصرخ فرحًا ولا أقفز نشوةً؛ أصل منهكة، يسبقني تعبي بخطوة ويتباطأ الفرح في صدري. لكنني في عمقي أكون فخورة: بكل خطوة مشيتها حين كان التوقّف أسهل، بكل ثانية قاومت فيها فكرة الانسحاب، بكل ليلةٍ بكيت فيها ثم مسحت دمعي وقلت: غدًا سأكمل. لم أصل صدفة ولا بسهولة ولا على أكتاف الراحة، بل بتعبٍ متراكم ودموعٍ ساخنة وأفكارٍ سيئة حاولت أن توقفني في كل لحظة، وكنت أقاومها كأنني أقاوم عاصفة لا تريد لي النجاة.
قد يراني غيري أبالغ حين أمدح نفسي، ويظنّ أن فرحتي أكبر من الحدث، لكنهم لم يكونوا شهودًا على الطريق. لم يروا ارتباكي حين خُيّل إليّ أن الدنيا أغلقت أبوابها، ولم يسمعوا خفقان قلبي خوفًا من الفشل، ولم يعيشوا اللحظة التي ظننت فيها أن كل شيء انتهى. لم يعلموا كم مرّة انطفأ الأفق في عيني، وكم مرّة صنعت بالعزيمة مفتاحًا وفتحت بابًا ظننته لن يُفتح.
أنا لم أصل بسهولة؛ وصلت وأنا أحمل معركةً كاملة وأجرّ تعبًا طويلًا. كلما اقتربت من الاستسلام تحدّيته، وكلما شعرت أن الطريق سدّ خلقت في صدري نافذة، وكلما خُيّل إليّ أن النهاية ظلام أشعلت داخلي شعلةً صغيرة ومشيت على ضوئها.
وإن لم يكن الفرح صاخبًا عند الوصول، فكبريائي هادئٌ عميق؛ يكفيني أنني لم أتخلّ عن نفسي حين كان ذلك أسهل الخيارات، وأنني بقيت في وجه خوفي وضعفي حتى صرت أقوى منهما. يكفيني أنني مشيت حين كان الوقوف مغريًا، وأكملت حين كان الاستسلام أقرب من أن يُرفض.
_مرتينا موسى برادعية ✍🏻.
