
أتخيل حياتي حين أضع آخر نقطة في سطر الدراسة،
حين يصبح الوقت مساحة مفتوحة لا يضيق،
وتغدو الأيام لي وحدي، لا تُقاد بعقارب القلق،
ولا تُقاس بمواعيد التسليم،
كأن الساعة أخيرًا خلعت قيدها وجلست بجانبي بهدوء.
يجيء الشتاء إليّ بلا خوفٍ في صدري،
يطرق نافذتي برفق،
فأستقبله ببطانية دافئة وضوء خافت وفيلمٍ طويل،
لا أوراق عالقة في رأسي،
ولا أسئلة تهمس لي حتى في صمتي.
أمسياته ليست معركة مع الفهم،
بل صداقة حميمة مع السكون،
أقرأ فيها رواية كما تُقرأ الحياة:
على مهل، دون عدّ الصفحات، ودون أن ألتفت إلى الوقت.
ثم يأتي الصيف،
بحرارته التي لم تعد عبئًا ولا موسمًا للاختناق،
شمسٌ تلامسني دون أن تحرق قلبي بالقلق،
وأيامٌ مفتوحة كالنوافذ.
أضحك فيها بلا حساب،
وأسهر لأن الليل جميل، لا لأن المهام تطاردني.
أجلس لأرسم،
تنساب الألوان من يدي كما تنساب الحرية،
ولا دراسة تقطع الخط قبل أن يكتمل،
عطلة صافية لا يختبئ في آخرها شبح العودة.
وأما الربيع،
فأراه بداية تشبه الوعد،
لا تقاطعها الفصول الدراسية ولا تفسدها الجداول.
تزهر فيه روحي كما تزهر الأرصفة،
وأتنفسه خفيفًا،
بلا كتب، بلا ملاحظات هامشية،
ربيعٌ يشبهني حين أكون مطمئنة.
أكتب فيه نصوصي كما تأتي،
كأن الكلمات عصافير تحطّ على الورق متى شاءت،
لا أستأذن الوقت، ولا أؤجل الشعور.
ويجيء الخريف،
لا مثقلاً ولا كئيبًا،
بل هادئًا كفكرةٍ ناضجة.
أراقب فيه تساقط الأوراق
دون أن أشعر أنني أسقط معها،
خريف ناعم،
أقرأ فيه على مهل، وأكتب، وأرسم،
ووقتي لا تحكمه دراسة ولا موعد.
حتى النوم يصبح خيارًا لا هروبًا،
أنام حين يثقل النعاس جفوني،
وأستيقظ حين تدعوني الشمس،
لا منبّه قاسٍ يوقظني قبل اكتمال الحلم،
ولا سباق عبثي مع صباحٍ مستعجل.
وأخيرًا…
هاتفٌ خفيف كأنه تخلّص من ذاكرته الزائدة،
ورأسٌ أقل ازدحامًا،
وقلبٌ يتنفس بعمق،
كأن التعب كله أدّى مهمته وغادر.
مجرد أن أتخيل هذه الحياة،
أشعر أن الفرح يسبقني إليها،
وأن ما أعيشه الآن ليس إلا طريقًا قصيرًا،
طريقًا يعرف نهايته جيدًا:
أيامٌ أهدأ… وأجمل.
_مرتينا موسى برادعية ✍🏻.
