
منذ أن خُلق الإنسان، لم يُكتب لأحدٍ أن يكون كاملًا،
ولا ظهرت روحٌ بلا نقصٍ أو ظلّ يتبع خطاها.
كلّنا نحمل هشاشةً خفيّة،
ونخزّن في أعماقنا عيوبًا يطويها الستر الإلهي برحمةٍ لا ندرك كمالها.
فلو كشف الله ستره عن قلوبنا للحظة،
لخجلنا من أنفسنا قبل أن نتجرّأ على عيوب غيرنا،
ولعلمنا أنّ الضعف ليس عارًا، بل طبيعة البشر منذ حملوا أثقالهم على الأرض.
ومع ذلك، ينسى بعضنا هشاشته،
فيُطلق لسانه سهمًا،
يعدّد أخطاء الناس،
ويُضعف نفوسًا لم تُخلق لتُهان.
وما درى أنّ الإنسان لا ينكسر من تعب الحياة بقدر ما ينكسر من كلمة،
كلمةٍ تُقال بلا رحمة،
فتُطفئ نورًا كان يتشبّث بالبقاء،
وتزرع في القلب شكًّا في ذاته،
وكأن الكمال ميراثٌ يملكه قائلها وحده.
أمّا الكلمة الطيّبة،
فهي شيءٌ آخر تمامًا…
هي بلسمٌ يسري إلى الأماكن التي لم تصلها يد،
وهي نافذة نور تُفتح فجأة في روحٍ مُنهكة،
وهي فرقٌ دقيق بين قلبٍ ينهض وقلبٍ يوشك أن ينطفئ.
كم من إنسانٍ سار مثقلًا بجرح كلمة،
وكم من آخر استعاد نفسه كلّها بسبب عبارة صغيرة،
بسيطة في ظاهرها،
لكن وقعها في قلبه كان كالحياة الجديدة.
فهل يُعجزنا أن نختار اللطف؟
أن نصمت عن العيب بدل أن نُشعل به نارًا؟
أن نمنح الآخرين ما تمنّيناه نحن في لحظات انكسارنا؟
إن الرفق حكمة،
والستر عبادة،
والكلمة الطيبة أثرٌ يبقى أطول بكثير ممّا نظن،
يمتدّ في القلب كضوءٍ لا يبهت،
ويُعيد للنفس شيئًا من سلامها الذي بحثت عنه طويلًا.
فإن لم نقدر على أن نُجمّل حياة أحدٍ بكلمة،
فلنتعهد على الأقل ألّا نكسر قلبه بغيرها.
ولنعلم أنّ ما نُخفيه من عيوب لا يقلّ عمّا نراه في غيرنا،
وأنّ الله هو وحده مَن يستر،
وهو وحده مَن يُمهلنا كي نتعلّم ألّا نُؤذي.
بقلم : مارتينا موسى برادعية