خواطر ونصوص

نورٌ بين الجمعتين

في كلّ مرة تُتلى فيها سورة الكهف، يتقدّم المعنى الهادئ كأنه يكشف وجهًا آخر للأقدار… الوجه الذي لا يظهر في اللحظة الأولى، ولا يُفهم من ظاهر الحدث، بل من حكمته العميقة التي تعمل في الخفاء.

﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾
ضياع الحوت لم يكن خطأً، ولا نسيانًا عابرًا؛ بل كان العلامة التي دلّت على الطريق. ما يبتعد أحيانًا لا يبتعد ليُفقد، بل ليقود إلى موضع كان يجب الوصول إليه. وهكذا يكشف القرآن أنّ بعض الفقد ليس نقصًا، بل إرشادًا إلى الموقع الذي تتجلّى فيه المعرفة.

ثم تأتي أولى مشاهد الحكمة في رحلة الخضر:

﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا…﴾
خرق السفينة يبيّن أنّ العيب الظاهر قد يكون نعمة باطنة؛ ثقب صغير يجنب أصحابها بلاءً أعظم. ليس كلّ نقص شرًّا، وليس كلّ ما يختفي من اليد خسارة. هناك أقدار تتقدّم على هيئة انكسارٍ بسيط، لكنها تحمل حماية كبيرة.

ثم يُكشف المشهد الثاني، الأقسى على الشعور، والأعمق في الدلالة:

﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ… فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾
اقتطاع شيء من الحياة قد يكون حفظًا لا يُدرك في لحظته. بعض الأبواب تغلق لأنّ وراءها أذًى لا يُرى، وبعض الروابط تنقطع لأنّ استمرارها سيقود إلى مشقّة لا تُحتمل. تُعلّم الآية أنّ الفراق قد يكون وجهًا خفيًا من وجوه الرحمة.

ثم يختم المشهد الأخير بخيرٍ مُدَّخر ينتظر وقته:

﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ… وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾
الجدار الذي أُقيم بلا مقابل يبيّن أنّ صلاح الأعمال يمتدّ أثره إلى الغيب، وأنّ الأرزاق تُصان وإن لم يكن أحد يراها. في بعض الأحيان، تُحفظ النعمة في مكان لا يُتوقع، وتنتظر اللحظة التي تنكشف فيها، تمامًا كما انتظر كنز اليتيمين بلوغهما أشدّهما.

ومن ضياع الحوت… إلى خرق السفينة… إلى فقد الغلام… إلى إقامة الجدار …
يمتدّ خيط واحد من المعنى:
أنّ الحكمة الإلهية تعمل وراء الأحداث بصمت، وأنّ ما يبدو تضادًّا في الظاهر هو في الحقيقة تناغم في العمق، وأنّ كلّ قدر يجري بدقّةٍ لا تخطئ موعدها.

_ مرتينا موسى برادعية ✍🏻.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى