Uncategorized

إشعار رسالة: قصة عن العلاقات الافتراضية

كنت هناك… يوم بكيتِ

رسائل القدر: حين يعود الماضي دون استئذان
جففت دموعي، وكففت عن التفكير في الأمر، كأنني أضعه في صندوق محكم الإغلاق وألقي بمفتاحه بعيدًا.
كان الصمت يحيط بي من كل جهة، صمتًا ثقيلًا يشبه نهاية لا تُروى.
مددت يدي إلى هاتفي بلا رغبة حقيقية، هروبًا من رأسي، من ذلك الصدى الذي يرفض أن يخبو.
رسائل القدر وبريد الطلبات المجهول
فتحت الشاشة وتصفحت بلا وعي، أصابعي تتحرك وعيناي لا تقرآن. حتى وصلني إشعار رسالة من فيسبوك.
توقفت لحظة، كأنني أستعيد زمنًا بعيدًا. لست أتذكر متى كانت آخر مرة فتحت فيها بريدي الفيسبوكي.
ربما مرّت أشهر، وربما أكثر، منذ أن قررت أن أترك ذلك العالم خلفي دون وداع، فقط انسحابًا صامتًا.
دخلت البريد ببطء، كمن يفتح بابًا قديمًا يخشى ما خلفه.
كانت هناك رسائل كثيرة… تنتظرني.
رسائل بدت كأنها تهمس، ترجوني، أو تعاتبني على الغياب.
لكنني كنت أعرف نفسي جيدًا.
سأرد عليها بجملة باردة، خالية من الشعور، تؤدي وظيفتها وتنتهي.
لم يعد في داخلي ما يغري بمحادثة عابرة، ولا حتى فضول بسيط لاقتحام حياة الآخرين.
كنت قد تعبت من الاستماع، من التفاعل، من ادّعاء أنني ما زلت أملك شيئًا أقدمه.
توجهت مباشرة إلى “بريد الطلبات”.
هناك فقط قد أجد ما لا أتوقعه… وربما ما أخشاه.
كنت أهرب من فكرة واحدة:
أن أجد رسالة توقظ فيّ ندمًا قديمًا، أو قلقًا بالكاد هدأ. ما أعيشه هذه الأيام مع “رسائل القدر” يكفيني لآخر العمر.
لم أعد أحتمل مفاجآت إضافية، ولا وجوهًا تعود من الماضي دون إذن.
فتحت أول رسالة.
كانت عادية جدًا: تحية، وسؤال عن الحال، من غريب مألوف بطريقة مزعجة.
مرّ في داخلي ارتباك خفيف، لكنني تجاهلته.
رددت بالمثل، جملة مقتضبة. ثم أغلقت المحادثة كأنها لم تكن.
مرت الأيام.
أيام باهتة تتكرر بلا ملامح، كأن الزمن فقد رغبته في التقدم.
حتى استوقفتني رسالة جديدة من الحساب نفسه:
“هل أستطيع التعرف عليك؟”
قرأت الجملة أكثر من مرة.
لم يكن السؤال غريبًا، لكنه لم يكن مرحبًا به أيضًا.
لم أكن أريد الإجابة. لم أعد أحتاج إلى تعارف افتراضي، ولا إلى وجوه جديدة تقتحم مساحتي.
علاقاتي الحقيقية نفسها لم أعد أمنحها من وقتي الكثير، فكيف بعلاقات تُولد من شاشة وتموت فيها؟
لقد هجرت ذلك العالم منذ سنوات.
توقفت عن نشر كتاباتي هناك، وتركتها تتراكم، تجف، وتتحول إلى بقايا زمن كنت أظنه انتهى.
واستبدلت ذلك بالمجلات والمشاريع الأدبية، بمحاولات أكثر جدية… أو ربما أكثر هروبًا.
كتبت: “مرحبًا”
ثم انسحبت.
كنت أظن أن الأمر انتهى عند هذا الحد.
لكن الرد جاء سريعًا، أسرع مما توقعت، ومشحونًا بشيء لم أستطع تفسيره.
كان فيه شيء من اللهفة، لهفة واضحة، كأن صاحب الرسالة كان ينتظر هذه الكلمة منذ زمن.
كتب إليّ عن إعجابه بنصوصي القديمة، تلك التي تركتها خلفي دون التفات.
قال إنه كان يقرأها مرارًا، وكأنها تخصه بطريقة ما.
رسائل القدر وذاكرة لا تموت
ثم ذكرني بخاطرة.
خاطرة قديمة.

ناقصة جدا|

الصخب الذي كان يصيبني بالهستيريا، الازعاج الذي ألقاه من أخي الصغير كل وقت، اختفاء شاحن هاتفي، تفحص والدي للرواية المنبعثة من شاشة حاسوبي…

عبث والدتي بأغراضي، المقالب التي ألقاها من أيوب، ياسين الذي يختبىء بجواري إن أحدث مصيبة.

النهارات التي أجبر فيها على قضاءها في البحر وأحرم من متابعة قراءة كتبي الالكترونية.

المساءات التي نقضيها في سطح الدار، الليالي التي نقضيها رفقة بذور دوار الشمس والفول السوداني، وكؤوس الشاي…

الحديث الذي لا يتوقف، الأماني التي نزفها إلى المستحيل.
إشتقت لهذا كله، إشتقت بحجم كل شيء لم ألتفت إليه، اشتقت إلى العائلة بعدما أدركت أنني ناقصة جدا دونهم.

21/07/2024
3:09 PM
مريم بُلحرير

كنت قد كتبتها وأنا أبكي.
تجمدت.
أعدت قراءة اسمه، صورته، تفاصيل حسابه.
لا شيء واضح.
لا شيء يفتح باب الذاكرة مباشرة.
لكن الكلمات…
كانت تعرفني أكثر مما ينبغي.
شعرت بشيء يتسلل إلى صدري، شيء يشبه القلق أو الخوف أو ربما انكشافًا قديمًا.
كيف يمكن لغريب أن يصل إلى تلك اللحظة تحديدًا؟
تلك الخاطرة لم أشاركها مع أحد. حتى عندما نشرتها، فعلت ذلك كمن يرمي جزءًا منه في الظلام دون أن ينتظر أن يلتقطه أحد.
سألته:
“كيف تذكرت هذه الخاطرة؟”
تأخر الرد.
دقائق بدت أطول مما ينبغي.
ثم كتب:
“لأنك لم تكتبيها وحدك.”
تسارعت أنفاسي.
كتبت بسرعة:
“ماذا تقصد؟”
جاء الرد أخيرًا… قصيرًا، حاسمًا، ومربكًا إلى حدّ مؤلم:
“كنت هناك… يوم بكيتِ.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى