المقالات

جيل على حافة الحكاية

نحن أبناء العتبة بين زمنين،
ولدنا على خيطٍ مشدودٍ بين ماضٍ يلفظ أنفاسه، ومستقبلٍ يركض بلا وجهة.
كبرنا وأقدامنا في أرض رخوة، لا نستطيع اللحاق بمن سبقونا، ولا نفهم من يجيئون بعدنا.

نشأنا على أصوات الشاشات لا على أصوات الحكايات،
حملنا في أعيننا صور الحروب قبل أن نحفظ وجوهنا في المرآة،
وتعلّمنا أن نضحك كي لا تنكسر قلوبنا في العلن.
لم نجد أكتافًا نتكئ عليها، فصنعنا من وحدتنا صلابة، ومن خيباتنا دروعًا نرتديها كل صباح.

شهدنا انهيار الأحلام في منتصف الطريق،
وشهدنا كيف يهرم القلب قبل أن يكتمل شبابه.
علّمونا أن الصبر مفتاح الفرج، لكننا أدركنا أن الانتظار قد يسرق العمر،
فقررنا أن نكسر الأبواب بدل أن ننتظرها تفتح.

لسنا هشّين كما يظنون، نحن مجبولون من بقايا محاولات،
ومن طينٍ غُسل بالدمع حتى صار أملسَ لا يعلق به شيء.
نحن الجيل الذي يحفظ الخيبة عن ظهر قلب،
ويعرف أن المعارك الحقيقية تُخاض في الداخل،
وأن الانتصار الأكبر أن نخرج من الليل بأرواح لم تفقد بريقها.

قد لا نفوز بكل ما أردناه،
لكننا نعرف جيدًا أن الحكاية لا تُقاس بالنهايات،
بل بالخطوات التي أخذناها في الظلام،
ونحن نحمل قلوبنا كشموع، نحميها من الريح،
حتى لو لم يبقَ أحدٌ ليراها مضيئة.

ونحن، مهما طال هذا التيه، نحمل في صدورنا بذورًا لا يراها أحد.
قد نبدو تائهين، لكننا نعرف مواسمنا جيدًا،
ونعرف أن المطر سيأتي ولو بعد أعوام،
وأنّ كل ندبة فينا ليست إلا علامة على أننا عبرنا النار ولم نحترق كاملًا.
لسنا صورة كاملة، نحن لوحة تتشكل من ضرباتٍ جريئة،
وقد تكون فوضانا هي الجمال الذي لم يفهمه العالم بعد.

وربما نحن الجيل الذي لن يُكتَب تاريخه في كتب المدارس،
لكننا نعلم أن حكاياتنا تجري في الدماء،
تنبض في الصمت بين كلمات لم تُنطق،
وفي النظرات التي تحمل أمانًا رغم العتمة،
في دعواتٍ خفية، وفي خطواتٍ صغيرة صمدت أمام الانكسار.
لسنا سطورًا عابرة، بل كتابٌ مفتوح لم تُسدل صفحاته بعد،
وما زلنا نكتب… بالحبر، وبالدمع، وبالابتسامة التي تخرج رغم كل شيء.

مرتينا موسى برادعية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى