المقالات

دفءٌ لا أستحقّه

تحت وطأة هذا الشتاء المتوحّش، أجلس في دفءٍ يحيطني كذنبٍ صامت، وأشعر أن البرد الذي يلامس أطرافي ليس سوى سؤالٍ ثقيلٍ ينهش روحي. أيُعقل أن يكون بردي حقًّا؟ أم أنه امتيازٌ فاض عن حاجة العالم؟ أمدّ يدي نحو المدفأة، فتلسعني فكرة أن الدفء قد يكون أحيانًا شكلاً آخر من أشكال الخيانة، وأن الجدران التي تحميني قد تحوّلت إلى مسافةٍ أخلاقية تفصلني عن آخرين لا يملكون سوى السماء سقفًا، ولا يملكون من هذا الشتاء سوى قسوته العارية.

كلّما ازداد المطر، ازداد اختناق حلقي، كأن الغيم يفرغ ثقله في صدري لا في الطرقات. أرى في خيالي وجوه المشردين والمهجّرين في أرجاء هذا العالم المؤلم؛ أولئك الذين لا يعرفون معنى أن تُغلق نافذة لتمنع الريح، ولا أن يختبئ الجسد خلف باب. أطفال يتكوّرون حول خوفهم، ونساء يلففن قلوبهن قبل أن يلففن أجسادهن، وشيوخ يقفون عراة أمام الزمن، وشباب يتلقّون القسوة بصدورٍ مفتوحة، لا لشيءٍ إلا لأنهم يدافعون عن أرضٍ، أو ذكرى، أو حقٍّ بسيط في البقاء.

أتخيّلهم وهم يُجبرون على الرحيل عن بيوتهم كما يُنتزع القلب من صدره، يتركون خلفهم جدرانًا كانت تحفظ أصواتهم، وطرقاتٍ تعرف أسماءهم، وأحلامًا لم تجد وقتًا لتنضج. كيف يطيقون هذا البرد، والموت يحاصرهم بأشكالٍ شتّى؟ كيف تستمرّ نبضات قلوبهم تحت المطر، بينما الخيام ترتجف، والأرض تبتلع دموعهم قبل أن تراها السماء؟
في هذا العالم المتوحّش، حيث الألم لغةٌ مشتركة، أفهم أن البرد ليس في الهواء وحده، بل في الضمير أيضًا. البرد الحقيقي هو أن نعتاد المشهد، أن ندفئ أيدينا ونترك الآخرين عالقين في العراء. ثم أسكت، لا لأن الحكاية انتهت، بل لأن الكلمات نفسها ترتجف حين تحاول الوقوف أمام هذا البرد.

مرتينا موسى برادعية ✍🏻.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى