
خَلْفَ كُلِّ شَخْصٍ عَظِيمٍ حِكايَةٌ لا تُرْوَى بِسُهُولَةٍ…
لَيْسَتْ صُورَةً مُشْرِقَةً عَلَى مَنْصَّةٍ، وَلا كَلِماتٍ مَحْفُوفَةً بِالتَّصْفِيقِ، بَلْ أَيَّامٌ رَمادِيَّةٌ اخْتَبَرَ فِيها طَعْمَ الوَحْدَةِ، وَلَيالٍ طَوِيلَةٌ جَلَسَ فِيها يُرَمِّمُ نَفْسَهُ بِصَمْتٍ، يَلُمُّ شَتاتَهُ قِطْعَةً قِطْعَةً، وَكَأَنَّ قَلْبَهُ لَوْحَةٌ مَكْسُورَةٌ يُحاوِلُ إِعادَةَ رَسْمِها بِيَدَيْنِ مُرْتَجِفَتَيْنِ.
كَثِيرُونَ يَظُنُّونَ أَنَّ الشَّغَفَ هُوَ ما صَنَعَ مَجْدَهُ، لَكِنَّ الشَّغَفَ وَحْدَهُ هَشٌّ، يَشْتَعِلُ فِي البِدايَةِ وَيَخْبُو مَعَ أَوَّلِ رِيحٍ بارِدَةٍ، أَوْ أَوَّلِ سَقْطَةٍ مُؤْلِمَةٍ. ما أَبْقاهُ واقِفًا رَغْمَ العَواصِفِ هِيَ الإِرادَةُ الَّتِي لا تَتَزَحْزَحُ، كَجِذْعِ شَجَرَةٍ يَرْفُضُ أَنْ يَنْكَسِرَ، وَالإِصْرارُ الَّذِي جَعَلَ كُلَّ خُطْوَةٍ، مَهْما كانَتْ صَغِيرَةً، امْتِدادًا لِلطَّرِيقِ، حَتَّى لَوْ كانَ هٰذا الطَّرِيقُ مُمْتَلِئًا بِالحُفَرِ وَالظِّلالِ الثَّقِيلَةِ.
النَّجاحُ لَمْ يَأْتِ مِنِ انْتِصاراتٍ مُتَتالِيَةٍ، بَلْ مِنِ انْكِساراتٍ تَحَوَّلَتْ إِلى دُرُوسٍ، وَمِنْ مُحاوَلاتٍ فاشِلَةٍ زَرَعَتْ فِي داخِلِهِ صَلابَةً لَمْ يَعْرِفْها مِنْ قَبْلُ، كَأَنَّها طَبَقاتٌ صَخْرِيَّةٌ تَراكَمَتْ عَلى رُوحِهِ مَعَ كُلِّ تَجْرِبَةٍ. مَضى وَهُوَ يَجُرُّ خَلْفَهُ خَيْباتِهِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَسْمَحْ لَها أَنْ تُوقِفَهُ، كانَ يَجُرُّها وَكَأَنَّها ثِقْلٌ يُدَرِّبُهُ عَلَى الصَّبْرِ.
تَعِبَ، سَقَطَ، أَنْهَكَتْهُ الظُّرُوفُ، وَمَعَ ذٰلِكَ كانَ فِي داخِلِهِ صَوْتٌ خافِتٌ يَقُولُ: «خُطْوَةً أُخْرَى فَقَطْ… وَسَتَقْتَرِبُ»، صَوْتٌ بِالكادِ يُسْمَعُ، لٰكِنَّهُ أَقْوَى مِنْ كُلِّ الضَّجِيجِ حَوْلَهُ.
وَهٰكَذا، لَمْ يَكُنْ وُصُولُهُ صُدْفَةً، بَلْ نَتِيجَةَ قَلْبٍ اخْتارَ أَنْ يُواصِلَ، حَتَّى حِينَ لَمْ يَعُدْ يَمْلِكُ سِوَى قُوَّتِهِ عَلَى الِاسْتِمْرارِ، وَدَمْعَةٍ حَبِيسَةٍ فِي عَيْنَيْهِ تَلْمَعُ كُلَّما تَذَكَّرَ كَمْ كانَ الطَّرِيقُ طَوِيلًا… وَكَمْ كانَ يَسْتَحِقُّ.
_مرتينا موسى برادعية✍🏻.
