المقالات

الدراما كدرع للوعي وسيف للحقيقة: قراءة في “رأس الأفعى” و”صحاب الأرض”


حاليآ لم تعد الدراما مجرد وسيلة للترفيه ، بل تحولت في العصر الحديث إلى “مختبر للوعي” ومنصة لصياغة السرديات الوطنية، ومن خلال صراع الإرادات الذي تشهده المنطقة العربية، برزت أعمال درامية تخطت حاجز القصة المشوقة لتمارس دور “القوة الناعمة” في أبهى صورها، ولعل مسلسلي “رأس الأفعى” و”صحاب الأرض” يمثلان ذروة هذا النضج الفني والسياسي.
صياغة الوعي الاستراتيجي
يمثل هذان العملان درعاً يحمي العقل الجمعي العربي من الاختراق، وسيفاً يقطع خيوط الزي، من حيث “رأس الأفعى”، لم يكن الصراع مجرد مطاردات أمنية، بل كان تشريحاً دقيقاً لعقلية “دولة الظل”. نجح المسلسل في تعرية استراتيجيات “الإرباك والإنهاك” التي استهدفت الدولة المصرية، محولاً المفاهيم السياسية المعقدة إلى مشهدية بصرية تدركها الأجيال القادمة، مما يساهم في بناء “وعي استراتيجي” يحول دون تكرار سيناريوهات الاختطاف الفكري أو المؤسسي.
من الألم إلى الأمل المقاوم
على الجانب الآخر، جاء “صحاب الأرض” ليكون الوثيقة الحية التي تحمي الرواية الفلسطينية من الطمس، وذلك من خلال تحويل “ألم غزة” إلى “أمل مقاوم”، استطاع العمل أن يثبت بالصورة والصوت أن الحقوق التاريخية عصية على القصف والتقادم، حيث ان استحضار الخريطة والرموز التراثية في مواجهة آلة الدمار لم يكن مجرد استدرار للعواطف، بل كان ترسيخاً لشرعية الوجود التي تحاول القوى الدولية تشويهها.
لغة الرموز والسينما
لقد لعبت السينماتوغرافيا دوراً جوهرياً في تعميق الرسالة؛ فالإضاءة القاتمة في مخابئ “عزت” بمسلسل “رأس الأفعى” لم تكن مجرد خيار جمالي، بل تعبيراً عن ظلامية الفكر الساعي للهدم. وفي المقابل، كانت الموسيقى الجنائزية في شوارع غزة بمسلسل “صحاب الأرض” بمثابة ترتيلة صمود تربط المشاهد بوجدان القضية، هذه الحالة الذهنية جعلت من المشاهد شريكاً في معركة الوعي، وليس مجرد متلقٍ سلبي.
وفى الختام فإن سلاح “حرب الأفكار”، من خلال النجاح الجماهيري الكاسح لهذه الأعمال يثبت أن الجمهور العربي نضج بما يكفي ليبحث عن الفن الذي يحترم عقله ويوثق واقعه بمسؤولية، في “حرب الأفكار” التي لا تنتهي، تظل الدراما الصادقة هي السلاح الأقوى لحماية الهوية، مؤكدة أن الفن حينما يمتزج بالحق يصبح عصياً على الانكسار، ويتحول من مجرد شاشة عرض إلى منارة ترسم ملامح المستقبل وتصون التاريخ من التزييف.

بقلم / خديجة عيسى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى